المجلس التأسيسي بين تونس الأمس وتونس اليوم
2012-03-28
-أول دستور نتاج للحركة الإصلاحية الوطنية
-من حيث لا يدري الحبيب بورقيبة يرسي الديكتاتورية النوفمبرية
تعتبر تونس أول دولة في العالم العربي والإسلامي اعتمدت النظام الدستوري. كان ذلك عندما أصدر الباي محمد بيانا عرف باسم عهد الأمان في 9 سبتمبر1857 جاء اثر التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد اثر مقتل يهودي اتهم بقتل طفل مسلم بعربته. ومن هنا تبيّنت نية الباي محمد في إصدار دستور للبلاد والقيام ببعض الإصلاحات من بينها إنشاء مجلس بلدي في مدينة تونس اشترك فيه أعضاء من الجاليات الأجنبية إلى جانب الأعضاء التونسيين.
بدأ الإعداد في وضع دستور وواصل العمل على تحقيقه الأخ محمد الصادق بعد وفاة الباي محمد وكان ذلك منذ 24سبتمبر 1859 وأعلن عنه في 1861 إثر سلسلة من الإصلاحات.
غير أن ثورة علي بن غذاهم فرضت التوقف عن العمل بهذا الدستور بعد 3 سنوات من إنشائه وظهرت بذلك الحركة الإصلاحية التونسية التي بدأت مع خير الدين التونسي وكانت مرجعية هذا الأخير كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» الذي صدرسنة1867 . وزادت الحركات الإصلاحية في العمل والنضال مع الدخول المباشر للاستعمار الفرنسي وانتصاب الحماية بتونس. كان للجمعيات والجرائد التي تأسست وظهرت في تلك الفترة دور كبير في بلورة وتشكيل الوعي الوطني لدى شريحة كبرى من المثقفين جمعتهم حركة الشباب التونسي التي نادت بتمثيل شعبي منتخب ووضع هياكل دستوريةوكان من ابرز رواد هذه الحركة علي باش حامبة.
واصلت حركة الشباب التونسي عملها في النضال والمطالبة بالإصلاحات إلى أن تم تأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي في مارس 1919 بقيادة عبد العزيز الثعالبي ومن مطالبه إصدار دستور يمكن الشعب من حق حكم شؤونه بنفسه في ظل الدولة الحسينية وبالتالي إقرار جملة من الإصلاحات بإيعاز من المقيم العام «لوسيان سان» من أهمها المجلس الكبير والمجالس الجهوية وكان ذلك في 1922.
تواصل النضال والنشاط والكفاح السياسي طيلة 13 سنة على تأسيس الحزب إلى أن نادت جماعة العمل التونسي المنظمة للحزب (الحبيب بورقيبة محمود الماطري الطاهر صفر والبحري قيقة) خلال مؤتمر نهج الجبل للحزب الحر الدستوري في 1933بعدة إصلاحات من بينها سن دستور يدعم سيادة الشعب. واتخذ النضال بذلك بعدا أعمق تمثلت بوادر ذلك في انعقاد مؤتمر قصر هلال بتاريخ 2 مارس 1934 الذي تمسكت فيه جماعة العمل التونسي بالمطالب التي تضمنها مؤتمر نهج الجبل وانطلق بذلك النضال من اجل تحقيق المطالب التي تضمنها البرنامج وكان الدستور أهمها وبدا التصعيد نحو الكفاح والمقاومة ضد الاستعمار بقيادة الحزب الحر الدستوري الجديد (جماعة العمل التونسي) من أجل الاستقلال.
وفي 13 جانفي 1952 دعا الحبيب بورقيبة إلى الكفاح المسلح.
المجلس القومي التأسيسي الأول
بتاريخ 31 جويلية 1954 أعلن مونداس فرانس في خطاب رسمي أمام محمد لمين باي بقرطاج استقلال تونس الداخلي وتم التوقيع على اتفاقية الاستقلال الداخلي في 3 جوان 1955.
وتم إقرار الخط السياسي للزعيم الحبيب بورقيبة بشان الاستقلال والسيادة في مؤتمر صفاقس 15 نوفمبر 1955 والذي تمت فيه المناداة بإقرار أمر ينص على إنشاء المجلس القومي التأسيسي ختمه لمين باي في 29 ديسمبر1955 يتم انتخابه مباشرة من الشعب مهمته إعداد دستور للبلاد.
بعد الحصول على الاستقلال التام في 20 مارس 1956 سارعت الدولة التونسية بتطبيق مطلب الدستور وتم انتخاب أعضاء المجلس القومي التأسيسي في 25 مارس 1956. فازت في هذه الانتخابات قائمات الجبهة الوطنية برئاسة الحزب الحر الدستوري الجديد والمنظمات الوطنية المتحالفة معه، وقدم الفائزون برنامج حكومة الاستقلال في أول اجتماع للمجلس في 9 أفريل 1956 وانتخاب الزعيم بورقيبة.
وبذلك كان يوم 14 افريل1956 تاريخ تشكيل أول حكومة في عهد الاستقلال وتعيين السيد حلولي فارس رئيسا للمجلس التأسيسي خلفا لبورقيبة وأقدم المجلس على إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية يوم 25 جويلية 1957.
وفي 1جوان 1959 وقع الإعلان عن الدستور ومن ابرز مبادئه فصل السلطات واحترام حقوق الإنسان والمواطن وسارت وفق هذا الدستور الجديد أولى الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 8 نوفمبر 1959 فازت فيها الجبهة الوطنية برئاسة الحبيب بورقيبة.
مجلس وطني تأسيسي جديد
بدت للرؤى وللشعب التونسي المبتهج باستقلال بلاده من الاستعمار الفرنسي أن هذه الانتخابات التي فاز فيها الزعيم الحبيب بورقيبة برئاسة الجمهورية هي طريق لتكريس مبدأ الديمقراطية في البلاد التونسية من خلال دستور 1959 غير أن الأمر سار عكس ذلك حيث تم الانقلاب على ما جاء به الدستور وتمت خيطته كيفما أرادوا جماعة الحزب الحر الدستوري برئاسة الزعيم وحيك كيفما شاءوا الشئ الذي سمح لهم بالولاء التام للمجاهد الأكبر بإقرار رئاسته مدى الحياة وصار الحال على ذلك المسعى إلى أن خابت البلاد وساد الفساد في فترة الثمانينات. وشهدت تونس حركات المعارضة من قبل تيارات سياسية ونقابات وال الأمر في 1987 إلى انقلاب سلمي على الزعيم الحبيب بورقيبة من قبل العسكري والوزير الأول في عهده زين العابدين بن علي واعتلى سدة الحكم وأصبح بتاريخ 7 نوفمبر 1987 الرئيس الثاني للجمهورية التونسية.
تنفس (الشعب التونسي) السعداء بهذا التحول الذي اتصف بالمبارك والمجيد واتصف عهد زين العابدين بعهد التغيير ولكن بعد سنتين فحسب زورت الانتخابات وتوارت الآمال في تكريس الديمقراطية وساد الفساد بشتى أنواعه اقتصاديا واجتماعيا وحتى ثقافيا .دقت نواقيس الخطر في أكثر من مناسبة تنبه النظام السابق بالخطر الذي يمكن أن تؤول إليه البلاد وكان هذا الأخير غير مبالي ولم يفهم الحراك الاجتماعي إلى أن تصاعد الدخان من جسد المواطن «محمد البوعزيزي» في 17 ديسمبر 2011 في منطقة سيدي بوزيد وغم البلاد وأدى ذلك إلى انتفاضات شعبية في كامل أرجاء الجمهورية , تعالت فيها أصوات تنادي بإصلاحات على جميع المستويات ثم بدأت مطالب تكوين مجلس وطني تأسيسي تتصاعد على اثر سقوط النظام السابق بهروب بن علي إلى السعودية يوم 14 جانفي 2011 وتخليه عن رئاسة الجمهورية التي تحولت إلى فؤاد المبزع رئيس مجلس النواب وفق الفصل 57 من الدستور المنحل وذلك لصياغة دستور جديد يضمن للبلاد الحقوق والحرية والكرامة كما نادت القوة الثورية في البلاد.
تطلعات الشعب من هذا المجلس وانتظارا ته وإلى ماذا ستؤول إليه البلاد بعد التأسيسي الثاني سؤال تبقى الإجابة عنه وليدة الرهانات القادمة.
بقلم زهراء بن كاملة
Lire aussi