النساء
الجزائر - فرنسا
الجسد الذي يفلت
1 نوفمبر 2021
انهاك
انهيار
جنون يصيب العقل
والجسد أيضاً
فريدة باشا، 1998
منذ عدة أشهر وتعب شديد يستولي عليّ دون أن يخفّ بالمرّة. يجبرني على البقاء مستلقية على أريكة الصالون مما جعل أقربائي يلقبونني "مدام ريكامييه". في جسدي، تهبّ عاصفة هرمونات وإذا بي أشعر بالحرّ ثمّ بالجوع معظم الوقت بل وكلّه. ومع ذلك كأنّ جزءاً مني يبعث إلى الحياة ثانية. أنا تلك النبتة المُقتلعة من جذورها والتي تصبح أقلّ مرضاً بمجرّد أن تعود إلى تربتها الأمّ.
العودة إلى قسنطينة تجلب لي الراحة. كم أنا سعيدة لرؤية خالاتي وأخوالي وغيرهم من أفراد عائلتي من جديد. وللمرّة الأولى أدرك كم لم أندمج بالحياة في فرنسا، أو بالأحرى يفاجئني انفلاقي. أن أعترف بذلك لنفسي يجعل الأمر أقلّ رعباً. المنفى ليس وضعاً طبيعيّاً، وكم أحسد أولئك الذين يتقبّلون الوضع، أقصد الذين يتوصلون إلى التأقلم في مكان آخر في حين أني أشعر بالمرض كلّما كنت هناك. أمّا هنا، فمرضي يخفّ. ربّما قد حان وقت مواجهة ما يؤلمني إلى هذا الحد، أعني رحيلي عن بلدي قبل ثمانية عشر عاماً.
قبل ثمانية عشر عاماً، كان عمري ثمانية عشر عاماً، وكنت أسكن في قسنطينة وأدرس في الصف الثالث والأخير في ثانويّة الحريّة الواقعة في مركز المدينة. كنت في كل صباح ألتحق بها بسيارة أجرة من حيّي، حيّ 20 أوت 1955. كان لي 1000 دينار مصروف جيب أتدبر إنفاقها بحكمة ربّ عمل. في أيام الثلاثاء، كنت أنهي دروسي في وقت أبكر كوني معفاة من حصّة الرياضة بسبب آلام مرعبة في المفاصل أصابتني عند مراهقتي. وهكذا كنت أذهب لأرتب شعري عند الحلاقة سيسي الواقع محلّها على بعد خطوات من الثانويّة. لم يكن لدينا مياه جارية وقتها، وكانت تلك أفضل وسيلة عملية لغسل شعري. أما الاستحمام اليومي فكان يتطلب براعة أخرى. كان لدينا نظام محكم لتخزين المياه إثر سويعات "مجيء الماء". كنّا نسخّنها في وعاء كبير ونستحمّ في حوض صغير. والمياه الممزوجة بالصابون، نسكبها في دلو نستخدمه للمرحاض. لم يكن الذهاب إلى الحمّام العمومي ممكناً لأنّ برنامجي لم يكن يترك لي أية فسحة فراغ. في تلك السنة لم يكن يهمني سوى أمر واحد: أن أنال شهادة البكالوريا.
فريدة باشا، 1998
الآن بعد انقضاء ثمانية عشر عاماً، أشعر أنني همت في البحث عن نفسي. وزني الحالي أربع وخمسين كيلوغراماً مقابل خمسين كيلوغراماً في الماضي. في فترة ما، زاد وزني ليصل إلى سبع وخمسين كيلو. البدانة تلائمني ولكنني أفضل جسدي نحيلاً وارتداء ملابس شبابي دون عناء. لا يعني ذلك أن الوزن هاجس مسيطر حتماً (في الواقع، بلى، نوعاً ما) ولكني أرى جسدي يتحوّل، وتجاعيد تكاد لا تُرى في وجهي تنحفر، وهذا يرعبني. إنني أكبر في السنّ!
لم أعد ألوم أهلي على رحيلنا. لا بل أظن أنني أحبّهم فوق كلّ شيء. أخشى أن أفقدهم، وأعلم ريثما أعلم أني أكبر في السنّ أنّ فقدانهم جزء من العقد. ذاك العقد الذي لا أذكر أنني وقّعته. عقد "أنا أكبر". يا للخدعة!
لقد مرت ثمانية عشرة عاماً، وما زلت أرتدي التنانير نفسها. صحيح أنني صرت أمضي وقتاً أقصر في وضع مساحيق التجميل على وجهي إلا أنّ حبي للماكياج ما زال هو نفسه. ما زلت مجبرة على نزع شعر جسمي. شعري صار أقل تجعيداً، وما زالت عندي العادة السيئة نفسها في كسر كل شعرة لأنني ما زلت لا أتحمل شعري مقصّفاً. ويحصل ذلك عندما يغمرني التوتّر. وكثيراً ما يغمرني.
أصبحت أستاذة لغة عربية. الفتاة التي كُنتها قبل ثمانية عشر عاماً، بعد أن نالت شهادة البكالوريا كانت تريد أن تصبح مهندسة معمارية لكن ذلك لم يتحقق. وأنا لا آسف على ذلك. هي (أي أنا) كانت تريد كذلك الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة، ولكن ذلك لم يتحقق أيضاً. مازلت ألوّن وأرسم بقلم الرصاص والفحم والحبر الصيني لوحات طبيعة صامتة ولوحات خطّ أحوّلها أحياناً إلى مطرزات. أحبّ أن ألوّن وأرسم وأطرّز وأخلق أشياء بيدي. إنها فعلاً لحظات توازن.
في العمق، ما زلت حالمة. أبذل جهداً كي لا أعبس كما في الماضي. تشاؤمي مازال حاضراً وكذلك حبي للحياة، لكن ليس عندي حبيب. الحبّ هو ما ينقص حياتي. ليس الحبّ بالضبط وإنما الذي أحبّه. ذلك الذي أنا متأكدة أنه يبحث عني وينتظرني كما أبحث عنه وأنتظره أيضاً.
لو أن "أنا" و"أنا" تلتقيان الآن فلا شكّ أنّ أنا اليوم ستلقي دروساً في الأخلاق على تلك التي كنتها قبل ثمانية عشر عاماً كما يحصل أن تفعل أخت كبيرة مع أختها الصغرى، كما أفعل أنا في بعض الأحيان مع أختي. لا شكّ أن تقول لها أن تأكل بشكل أفضل، أن تأكل.. فقط. لا أدري إن كانت "أنا" ما قبل ثمانية عشر عاماً لتحبّ "أنا" اليوم. وعلى كل حال، أنا أحبّ تلك التي كنُتها ولكنني لا أدري إن كنت أحبّ هذه التي صِرتُها. أدري أني أحترمها لأنها شجاعة ومصرّة ولا تستسلم أبداً. ومع ذلك فأنظر إليها بفضول. في الواقع، أنظر إلى نفسي بفضول، كما لو لم أعد أعرف من أنا، ولا شك أني أفعل ذلك لأنني أكبر في السنّ وأنّ ذلك يرعبني.
فريدة باشا، 1998
مازلت أحبّ الكتابة ولكنني أكتب أقل من قبل. علاقتي بالكتابة تغيرت كثيراً. قبل ثمانية عشر عاماً، كان يكفي أن أكون أمام دفتري لكي أكتب. كنت أكرّس لحظات فراغي كلها للكتابة.. كتابة أشعار آنذاك. اليوم، صارت الأمور أكثر تعقيداً. كوني درست الأدب قطع عفويتي. وكأنّ تحليل النصوص أفسد رغبتي في الكتابة وحاجتي إليها.
الرواية التي بدأتُها قبل تسعة أعوام اليوم ظلّت معلّقة. لم أكتب منها سوى الاستهلال والخاتمة والفصل الأول. كان من المفروض أن تكون رواية جاسوسية مع قصة حبّ جميلة تنتهي بخير، أي قصة يجتمع فيها العاشقان في النهاية، سعيدين وهما ينظران في الاتجاه نفسه كما في صور البطاقات التي كانت منتشرة أيام مراهقتي. عاشقا روايتي التي لم تنتهِ اسمهما ليال وإلياس. هي فلسطينية جزائرية، وهو سوري يوناني. ذات صيف إثر تسكعها في شوارع خانداكوس، إحدى جزر السيكلاد اليونانيّة، التقت ليال بإلياس. وبعد لقائهما بقليل، يختفي إلياس. كانت ليال محامية تعيش في باريس وإذ هي تقرر أن تذهب للبحث عن حبيبها وأن تعود ثانية إلى اليونان. وهذا ما قامت به بالفعل برفقة أخيها، شمس. عندها، اكتشفت أنّ إلياس كان متورطاً في موت والديهما الذي حدث قبل عدة سنوات. لكن إلى أي حد كان تورطه؟ كانت تلك جريمة قتل سياسية. لكن ليال وشمس تقبّلا منذ زمن طويل فكرة العيش مع الأمر الواقع: تلك الجريمة سوف تبقى بلا عقاب. إلا أنّ تواجدهما أمام قاتل والديهما المفترض سيغيّر المعطيات. أن تقع ليال في حبّ هذا الرجل فعلاً أمر لا يُطاق. وهكذا تتمزق ليال بين حبّها ورغبتها في الحقيقة. سوف تصرّ على متابعة أبحاثها بغض النظر عن المظاهر وستكون على حق..
وهكذا لم أنهِ كتابة هذه الرواية.. وبدلاً من ذلك حضرّت وقدّمت أطروحة دكتوراه عن المُتّخيل في جزيرة العرب في القرن السابع للميلاد. قبل ثمانية عشر عاماً، ما كان ليخطر على بالي أن أزاول دراستي إلى هذا المستوى. وعندما أنظر إلى الخلف أتساءل: “لماذا فرضت على نفسي كل هذا العذاب؟" كيف استطعت البقاء على قيد الحياة بعد كل هذه السنوات؟ لا أدري ولكنني أعتقد أنه لابدّ من وجود ثمّة مقدرة على الخروج من الذات من أجل إيهام النفس بمجابهة الأمور ومتابعة المشوار رغم كل شيء. مع ذلك فما من شيء بديهي في هذه المواجهة الداخلية لما تثيره من أسئلة وذكريات مبهمة وأحلام مجهَضة. الواقع يتغلب على كل ذلك. أنا لا أحبّ الواقع فهو يخرب لي حياتي ويعتم أحلامي.
فريدة باشا، 1998
قبل ثمانية عشر عاماً، كانت عندي أحلام ومستقبل غير واضح المعالم على الإطلاق. عندما كنت أجرؤ أن أسرح في مخيلتي قليلاً، كان مستقبلي يبدو لي بسيطاً: أن أدير وأنا في الثلاثين من عمري (وكان ذلك أفقاً بعيد المدى) مكتبي الهندسي المختص بالعمارة وأن أكوّن عائلة. لم أفلح لا في هذا ولا في ذاك، لا في الثلاثين من عمري ولا في الوقت الحاضر.
كلا، لقد صرت أستاذة لغة عربية في محيط معاد للعرب. ولكي أتغلب على هذه الكراهية، تعلّمت لغة جديدة هي اليونانية الحديثة التي سمحت لي أن أتواصل مع أصدقائي من جزيرة كريت الذين صاروا عائلة قلبي، تماماً كما أصبحت اليونانية لغة قلبي. كان ذلك بديهياً كما لو أنني انغمست في خضم اليونانية طيلة حياتي. لغتاي الأم، العربية والفرنسية، تتشابهان إلى حدّ بعيد. أمّا الآفاق التي انفتحت أمامي مع اليونانية فلا متناهية ولا شكّ أنها أكثر إشراقاً. اليونانية أصبحت لغتي، تلك التي اخترتُها والتي قبلت أن تمنح نفسها لي. أحببت في هذه اللغة، صداقةً وحبّاً. الحبّ ذهب، وما زالت الصداقة دائمة.
قبل ثمانية عشر عاماً، أظن أنني لم أكن أعرف حتى أين توجد جزيرة كريت، أو ربما كنت أعرف ذلك بشكل مبهم. وكأنّ الزمن الذي مرّ غير حقيقي. لا أدري إن كنت أعرف من أنا. أجهل أين "أنا" في كل ما أفعله. وأشعر بأني أقترب منه فقط عندما يمرض جسدي. الألم يخفف من الجزع بينما يكشف المنفى عن عريه.