لقد وقعنَ في الفخ
رسوم علاء الدين أبو طالب
عبّرت صوفي عن رغبتها في العودة إلى بلدها ظنا منها أن مشغلتها ستتكفل بثمن تذكرة السفر لكنها سرعان ما اكتشفت أنها مازلت مجبرة على العمل كي تغطي الغرامات المالية و التذكرة. بحسب راتبها القادم سوف يتطلب الأمر أشهرا عدة لتجميع المبلغ. حتى وهي لا تملك المال أضحت صوفي مستعدة للمغادرة حتى لو تطلب الامر أن تهيم في الشارع.
«بدأنا نتشاجر فاقفلت علي باب غرفة في الطابق الأرضي ».
تم تحريرها بعد يومين و استأنفت العمل لكنها ضاقت ذرعا فطلبت المغادرة ذات مساء:
« خرجتُ في لباس صيفي ارتدي بنطلون جينز و حذاء صيفي .عندما كنت في حديقة المنزل، كانت تأمل أن أعود إلى المنزل. عندما رفضت، هددتني أنه إذا ما الححت على الذهاب لن تمكنني من اغراضي و جواز سفري فوجدت نفسي في حديقة البلفيدير بحلول الليل. »
تلقت مكالمة من الكودفوار حيث تكفلت بها مجموعة من الأفارقة القاطنين بتونس.
في احدى المرات، حاولت أن تتقدم بشكوى ضد مشغلها لكن أصدقائها اقنعوها « أنه لا جدوى من ذلك، فما الفائدة من أن تتوجه مهاجرة بدون وثائق ثبوتية إلى الشرطة؟ ». حينذاك توجهت إلى سفارتها لكنها لم تجد العون من لدنها. موقع « إنكيفادا » اتصل بدوره بالسفارة المعنية لكنه لم يتلقّ إجابة من طرفها.
في الوقت الذي تستطيع فيه بعض الافواريات أن تتصل بالعالم الخارجي أو بسفارتهن يوم الراحة أو خلال القداس ليس الأمر متاحا للشابات السنغاليات المسلمات اللواتي لا يملكن أي ذريعة لمغادرة المنزل.
حسب السيد فال « بعضهن يدخلن البيت و لا يخرجن منه أبدا، فهنّ لا يعرفن أنّ هناك إمكانية للاتصال بالسفارة إلا إذا ما اتصلن ببلدهن أو عبر أحد معارفهن ».
من الصعب بالنسبة الى هؤلاء الفتايات التوجّه إلى السلطات التونسية خصوصا أنه يتم اتهامهن بالسرقة عندما يعبّرن عن رغبتهن في المغادرة. ففي آخر المطاف، هنّ مجرد أجنبيات في وضعية غير قانونية لا ضحايا يتوّجب حمايتهن.
حسب السيد فال « حملات التضامن تنظم حسب الوضعيات المطروحة فالسفارة لا تملك موارد مالية مرصودة لغايات إجتماعية فنحن نقوم بارسال طلب إلى داكار ونُعوّل على تضامن الجمعيات السنغالية في تونس أو الاخويات لتوفير المسكن لتلك الفتيات. بعد ذلك تأتي مشقة إيجاد الأموال لدفع الغرامات العملية للاقامة غير القانونية للواتي يرغبن في العودة إلى موطنهن.
في خضم ذلك، تقع الفتيات فريسة الشبكات غير القانونية بحكم أن جميع المسالك الشرعية اقفلت في وجوههن.
كي تستطيع إسترجاع جواز سفرها، كانت صوفي مجبرة على العمل لدى أخت مشغلها الأوّل دون إن تتقاضى أجرا لقاء ذلك .بعد ذلك، ألم بها المرض. « قمت بعديد الاتصالات كي أطلب العون فلم أكن أملك مصاريف العلاج فاقترحت علي مشغّلتي أن أعمل مجانا مقابل أن تتكفل بهذه المصاريف « .
انها حلقة لا متناهية من الإبتزاز تدور حول فتيات تحولن إلى رهائن .
عندما انهت علاجها غادرت مجددا ذلك المنزل لتجد عملا في اريانة.
«تعرضت للتحرش من طرف شابين في ذلك المنزل و عندما أخبرت الام طردتني فوجدت نفسي مرة أخرى دون عمل».
بعد أن تعبتْ من العمل دون أجر وضاقت بها السبل أملا في تحصيل ثمن تذكرة السفر فكرت صوفي في إعلان للبغاء على الانترنت لكنها وجدت الحل قبل ذلك.
الاتّجار بالبشر في تونس
رسوم علاء الدين أبو طالب
صوفي كانت موضوعا للاستعباد المنزلي و الاتجار بالبشر. لورينا لاندو، رئيسة بعثة المنظمة العالمية للمهاجرين، تعتقد « أن نظام العمل هذا يندرج ضمن استراتجية كاملة و تمشّ منظم حيث أن العديدات يصلن إلى تونس دون حاجة إلى تأشيرة طيلة 90 يوما و أخريات يتمتعن بعقود عمل ».
حسب إيمان نايجا، مساعدة مدير ضمن مشروع مناهضة الاتجار بالبشر في المنظمة العالمية للمهاجرين فإن :
«بعض الفتيات يأتين في إطار عقود مدلسة ويتم استقبالهن في المطار و يحرمن من وثائقهن ويكتشفن أنّ لديهن دين متخلد بالذمة فيكتشفن كذلك أن للواقع وجها أخر ، ما يعني أننا بصدد تمش للاتجار بالبشر مع وجود اشخاص يشكون من سوء المعاملة الجسدية و المعنوية ، خصوصا مع ساعات العمل التي لا تنتهي ودون أن يستطيعوا أن يتلقّوا العلاج إذا ما مرضوا».
كما عرفته المادة الثالثة من بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للدول (2000) فإن الاتجار بالبشر يقصد به:
« يُقصد بعبارة (الاتجار بالأشخاص) تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو التسخير أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء ».
بعد أن وقعت على هذه المعاهدة، تعمل تونس منذ سنة 2009 على صياغة قانون وطني بعد أن تم تبنّيه في إجتماع وزاري في ماي 2015 و ينتظر أن يصادق عليه مجلس نواب الشعب.
رسوم علاء الدين أبو طالب
حسب ألان لقوف، منسقة الدراسة الاستكشافية حول الاتجار بالبشر التي نشرت سنة 2013، تزامن حديث المنظمة العالمية للمهاجرين عن قضية الاتجار بالبشر في تونس مع صياغتها لدراسة حول هذه الظاهرة ، الشيء الذي أثار إستغراب السلطات التونسية و المتدخلين في هذا الشأن .لا يتعلق الأمر بالانكار بل بجهل لمفهوم » الاتجار « .
رغم أن ظاهرة الاتجار بالاشخاص مثلت موضوعا للرصد في تونس إلا أن مكتب مراقبة و مناهضة الاتجار بالاشخاص التابع للولايات المتحدة الأمريكية يقوم كل عام بتصنيف الدول كما هو الحال بنسبة لتونس منذ 2009.
حسب هذه الدراسة، فإن تونس تمثل بلدا تغادر منه ضحايا الاتجار كما أنها تشكل منطقة عبور ووجهة بالنسبة للرجال و النساء و ضحايا الأشغال الشاقة و البغاء.
ظاهرة توجب وجود أسس قانونية
حسب لورينا لندو، تعتبر هذه الظاهرة مستجدة في المقاربة المؤسساتية في تونس.
فبالنسبة اليها، يمكن للقانون أن يعطي اسما لظاهرة ما و أساسا قانونيا لجريمة بما يعنيه ذلك من وضع مسار يُخوّل مساعدة الضحايا. فظاهرة المعينات المنزليات المهاجرات لم تكن لها اجابة قضائية فعندما حاولت احداهن أن تتوجه إلا القضاء لم تفض شكايتها إلى شيء يذكر، لذلك تفضل جل الضحايا المغادرة و « نسيان الاوقات العصيبة التي مررن بها »،حسب ما افادة ألان لقوف.
صوفي لم ترد أن تتقدم بشكاية فقد فضّلت أن ترجع إلى الكوديفوار و ترتاح قليلا قبل أن تستأنف حياتها. لم تستطع هذه الأخيرة أن تستوعب ما حصل لها وهي تهم بالمغادرة. توجهت إليّ متسائلة بشكل ساذج « لمَ الناس قساة إلى هذا الحد » ؟
تنويه
لقد تعمّدنا تغيير اسم الشاهدة واسنادها اسما مستعارا (صوفي).
من الصعب اماطة اللثام عن قضية الاستعباد المنزلي نظرا إلى أنّ الضحايا يبقين حبيسات منازل المشغّلن. هذه الوضعية تمسّ المهاجرات والمعينات التونسيات على حد السواء.