Morocco

في المغرب، الأحلام المنكسرة للاجئين السوريين

2015-09-21

 

هم آلاف هربوا من الحرب ووصلوا منذ 2011 على شكل موجات متتالية إلى المدن المغربية. في الدار البيضاء والرباط أو القنيطرة، يروي اللاجئون السوريون وضعهم السئ في بلد لم يعد ينوي تقديم الملجأ لهم لأسباب أمنية.

 

في المغرب، الأحلام المنكسرة للاجئين السوريين

 

“ يا محمد السادس، ملك المغرب! أتوسل إليك أن تمنحني فيزة (...) لقد ماتت أمي إلخ...”. يجسد الصبي الحمصي حيدر جبلي الذي يبلغ الحادية عشرة من عمره كل اليأس الذي يشعر به آلاف السوريين الذين وصلوا إلى المغرب بحثاً عن حياة مقبولة. هو الآن في تركيا التي وصل إليها بعد ثلاث محاولات للدخول إلى الأراضي الشريفية ليلتحق بأبيه الذي فرّ من جيش بشار الأسد، وتزوج للمرة الثانية من مغربية من تطوان. الفيديو الذي يصوّر التضرع الذي وجهه الصبي للملك أشعل مواقع التواصل الاجتماعي منذ أن وضعته على يوتيوب في شهر آب (أغسطس) الصحفية المغربية الهولندية ليلى بن علال. وقد تعاطفت الصحافة المحلية معه، وكذلك فعل بعض المدافعين عن حقوق الإنسان الذين نشروا صورته مستلقياً على الأرض في منطقة الترانزيت في مطار الدار البيضاء حيث تم طرده قبل أن تأخذه  إلى اسطنبول تحت حمايتها بثينة عزبي، وهي مغربية عملت كمراسلة قديمة للجزيرة. وقد وصل بها الأمر إلى حد مرافقته إلى حدائق قنصلية المملكة المغربية هناك كي تلتقط له صورة بقميص أبيض وشريطة معقودة على الرقبة أمام بورتريه عملاقة للملك في عيد الجلوس على العرش. وسواء كان الأمر مجرد تواقت، أو  إجابة مقصودة، فإن الملك محمد السادس قد أعلن في خطابه الذي ألقاه يوم 20 آب أغسطس للاحتفال بالذكرى الثانية والستين لثورة الملك والشعب ما يلي: “لن يكون المغرب أبداً أرض لجوء. إنني أقول بكل ما يمكن من واقعية أن لدينا أولوياتنا الداخلية”.

الوقوف في وجه تهديد الإرهاب
 
لقد استقبلت المملكة البعيدة عن مناطق الصراع التي مزقت جزءاً من الشرق الأوسط منذ موجة الربيع العربي وحتى يومنا هذا آلاف السوريين. وقد استفاد 5000 منهم من الإجراءات الاستثنائية التي قدمتها الحكومة لتسوية  أوضاعهم بدءاً من عام 2014. كذلك تم تسجيل ما يزيد على 1500 سوري على لوائح المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (HCR). وقد اعترف أندريه بيرغينك المكلف بالعلاقات الخارجية في مكتب HCR في الرباط بأن "هذه الأرقام الإجمالية تقريبية".
لم يصل المغرب إلى التعرض للتدفق المخيف الذي عرفته  البلاد المتاخمة لساحة القتال حيث تتواجه الجيوش النظامية والمليشيات الممانعة والفرق الثورية والمقاتلين من منظمة الدولة الإسلامية (داعش). ولقد أحصت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في نهاية آب أغسطس 2015 أكثر من أربعة ملايين سوري لجؤوا بشكل أساسي إلى مخيمات مرتجلة أقيمت في تركيا ( 1,8 مليون)، وفي لبنان (1,2 مليون)، وفي الأردن ( 600000)، وفي العراق  (250000). ولأن افريقيا الشمالية أبعد باتجاه الغرب فإنها لم تسجل حتى تاريخه أكثر من 24000 من الذين اضطروا لترك بيوتهم، حسب إحصائيات المفوضية العليا للاجئين نفسها.

ومن يستمع إلى الملك يفهم أن المغرب قد أكّد تبديل سياسة الاستقبال التي يتبعها. وقد أضاف مصدر مسؤول بعض التوضيحات بقوله: “سنتابع استقبال اللاجئين بإيقاع نتحكم به، سواء كانوا قادمين من افريقيا الغربية أو من الشرق الأوسط. وبعيداً عن الجانب الإنساني الذي نتفهمه، فإن ما يشغلنا هو أمر ذو طابع أمني بحت". ويمكن تفسير هذه الكلمات بشكل واضح من خلال ما حصل في شهر حزيران يوليو الماضي في مطار محمد الخامس في الدار البيضاء حيث تم توقيف سوري يحمل جواز سفر مزيف كان يرغب بتأسيس خلية إرهابية ترتبط بداعش. لكن ذلك لا يبرر بالوقت نفسه ما حصل مع الشاب حيدر الذي سوّى والده وضعه حين أسس عائلة جديدة في المغرب. وقبل توقيف السوري في مطار الدار البيضاء، كان هناك ثلاث أفغانيين اشتبه بضلوعهم في التحضير لهجوم على الأرض المغربية، وقد تم اعتقالهم بمجرد وصولهم إلى مراكش. كان المغرب حتى ذلك الوقت يُعتبر مشتلاً للجهاديين المهيئين لدعم صفوف ابي بكر البغدادي في سورية وفي العراق.

 

يقدر عدد هؤلاء بما يقارب 1500 متطوع تعود أصول معظمهم إلى شمال البلاد، وهي منطقة مشهورة بتشددها الديني. ويعطي المصدر نفسه توضيحات أكثر حين يقول: “لم يعدالأمر يتعلق بباحثين عن مقاتلين يحاولون التغلغل في الأوساط الراديكالية، وإنما أيضاً بتقنيين متمرسين بالقتال، وهدفهم ليس فقط تشكيل متعاطفين محليين مع داعش، وإنما أيضاً دفعهم للقيام بالفعل". ثم يبوح قائلاً: "إن نشر مخطط الحذر الذي يعادل مخطط الانتباه الخاطف الفرنسي، بالإضافة إلى المراقبة الدقيقة يندرج ضمن سياق تهديد حقيقي علينا أن نقف في وجهه بأي ثمن كان". إن الاهتمام الكبير بالأمن في الرباط هو سبب هذه الإجراءات المتشددة. وهذا ما يفسر قلة حماس المغرب لسن القوانين المتعلقة بـ "الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء"، وهي مخطط واسع لإدماج المهاجرين غير الشرعيين تم إصداره من القصر والحكومة بناء على توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان (CNDH) منذ 2012. سمحت هذه الاستراتيجية في عام 2014 بإعطاء 18000بطاقة إقامة لطالبي اللجوء. ويؤكد بيرغينك أنه "صار من الضروري الآن أن يقدم المغرب للبرلمان مشروع القانون حول اللجوء. هذا القانون سيسمح للسلطات المغربية بأن تعترف بالسوريين كلاجئين وليس فقط كمجرد مهاجرين". وقد جاء في أحد التقارير الأخيرة التي وضعتها الشبكة السورية للحقوق الإنسانية في شهر تموز (يوليو) الماضي، أن المغرب هو أحد أكثر البلاد ردعاً للمهاجرين من الشرق الأوسط.

أوان زوال الأوهام ...

دوافع اللاجئين السوريين متنوعة. فبالنسبة لأولئك الذين يبدؤون رحلة صعبة تمتد على عدة آلاف من الكيلومترات، تكون الوجهة الأولى هي الجزائر غالباً، وتلك هي حالة محمد، التاجر الأربعيني القادم من حمص. لقد عاش عدة شهور برفقة أمه وزوجته وأولاده الثلاثة في منزل متداع بالقرب من ساحة بورسعيد في وسط الجزائر العاصمة قبل أن يستقل الطائرة عام 2013 متجهاً إلى الدار البيضاء. وفكرة الذهاب إلى المغرب أتته مما سمعه من الآخرين. وهو ليس من أوائل القادمين . فخلال سنوات، وحتى ما قبل الحرب، كان هناك سوريون تم استقبالهم بترحاب، منهم من كان يعمل في حفر الآبار في الريف، ومنهم من كان يعمل كطباخ  للطعام المشرقي في المدن، أو حتى بتفريغ البضائع في الضواحي الصناعية لطنجة أو غيرها. أحد هؤلاء، وهو بلال لديه مطعم كباب في مير سلطان، في مركز المدينة القديمة الكولونيالية ذات طراز آر ديكو المعماري في الدار البيضاء. كان محله الذي يقع بين بارين لا يفرغان من الزبائن مزدهراً. صار اليوم في الستين من عمره تقريباً، وكان قد ترك دمشق عام 2000 ، عند موت حافظ الأسد الأب الملهم لسورية البعثية: “لقد أتيت للمغرب مع كل ما أملك من مدخرات، وقد اشتريت هذا المكان من يهودي مغربي مسنّ كان يمارس فيه بيع الخرداوات. وبلال الذي يميل للمزاح سرعان ما يقطب جبينه عندما نطلب منه رأيه عن مواطنيه الذين وصلوا بعد 2011. “لقد جذبهم المغرب كالمغناطيس بسبب استقراره والفرص التي يقدمها. لكن انتبهوا، الطوائف لدينا مبعثرة ومكتفية بذاتها. وبعضها منكفئ على نفسه، وبالتالي فإن تأقلمها هنا صعب". وبلال الذي يفخر بكونه من أوائل القادمين، والذي استطاع أن يبني بيته، وصار أولاده "مغاربة مثل البقية"، يرفض أن يتم الربط بينه وبين "أولئك القادمين من حلب مشياً على الأقدام، والذين يرتدون الأسمال". بالنسبة له ما كان يجب عليهم أن يسيروا "كل هذا الطريق الملئ بالعوائق، لأنهم لن يستطيعوا أبداً أن يتأقلموا مع أرض النعيم هذه”. ولدى جهاد فرعون الذي استقر في المغرب منذ عام 1996 الرأي نفسه. ُيعتبر جهاد من ذوي العلاقات المتميزة مع السلطات، وهو يصرّ على التمييز بين السوريين حسب أصولهم الإثنية، كاشفاً من خلال خطابه عن تعقيد وضع اللاجئين.

 

أما محمد فهو من الذين يعيشون في مسجد الزبير، في حي الحلفا، في ضاحية الدار البيضاء التي تشبه المهجع. وهو يواجه اليوم زوال أوهامه. فالآمال التي كانت لديه في الأيام الأولى لوصوله تبخرت. لم يجد عملاً لا في معمل ولا في مستودع. لذا تراه اليوم  يترقب المحسنين عند خروجهم من كل صلاة جمعة. في وكره الخالي من الأثاث في حي فرح السلام، وهي مدينة جديدة أبنيتها أنيقة، لكن توجد تحت الأدراج فيها فيها حجرات متداعية تأوي الطبقات الشعبية، ها هو يعدد تقلبات حياته بتعب. فهو يروي لنا وهو يرشف الشاي بالنعناع: "بعد اندلاع الأحداث بسنة في سورية، ذهبت إلى لبنان". هناك، كانت الشهور الخمسة التي عاشها في مخيمات البقاع على الطريق الذي يربط دمشق ببيروت كافية لإقناعه أن يحمل أغراضه ويسافر "كانت الظروف فيها لا تحتمل. ركبنا الطائرة للجزائر التي لا تتطلب أية تأشيرة". هناك ايضاً دفعته الشروط التي عاش فيها لأن يعاود الرحيل "الجزائريون لديهم فكرة جازمة لا تتغير عا يجري في سورية. فهم يخلطون بيننا وبين الإرهابيين!”. في المغرب حيث وصل بفضل مهرب عبر مدينة وجدة الحدودية، بدت السلطات أكثر "اعتدالاً" ،“وعلى الاخص "فيما يتعلق بإذن الإقامة وإمكانية تسجيل أولادنا في المدارس". لكن بالنسبة لمحمد ولغيره، لم يكن الاندماج شيئاً سهلاً: “في سورية كان لدي محل صغير لبيع الملابس المستعملة في حين أجهد هنا للعثور على أي عمل". الراتب الشهري الذي يدفعونه لي لأنني أعمل بشكل غير نظامي نادراً ما يصل إلى 1500 درهم  (140 €) وهذا لا يكفي لدفع الإيجار الذي يصل إلى 1900 درهم (180 €). واعترف لنا بأن جيرانه المغاربة نصحوه أن يطلب "الصدقة في المساجد". ويضيف وهو يحمل إحدى بناته بين ذراعيه: “أفضل أن أتسول على أن أترك أولادي في الشارع، ولحسن الحظ أن أصحاب بيتي يتفهمون وضعي، وهم يعطوني مهلة لدفع الإيجار...” ويلتفت محمد وينظر من خلال نافذته المجهزة بالقضبان نحو مكان آخر ما زال صعب المنال. هدفه النهائي هو بلجيكا حيث يعيش أقرباء له في رخاء.

 

لكن أصحاب البيوت ليسوا جميعهم متهاودين. ففي القنيطرة، وهي مدينة متوسطة الحجم في شمال الرباط وموعودة بالتنمية بفضل صناعة السيارات، تعيش أم أحمد، وهي أم لثلاثة أطفال يعاني زوجها من البطالة منذ إغلاق مطعمهم البسيط الذي يقدم المنتجات السورية ـلم يمش الحال-، وهي مهددة بالطرد حسب قولها. تعيش العائلة القادمة من درعا، وهي قلعة المعارضة ضد الأسد، في بيت صغير أجرته 2700 درهم (260 €) بالشهر. وتتنهد أم أحمد: “إننا ننهار تحت عبء الديون وأمامي ستة شهور من الإيجارات التي لم أدفعها”. قد طرقت أبواب المنظمات الأهلية دون جدوى: “المساعدة التي يقدمونها ضئيلة جداً ومخصصة لأمور محددة. المفوضية العليا للاجئين على سبيل المثال لم تقدم لنا خلال شهور ستة سوى تعويضاً لم يتجاوز 1500 درهماً (140 €). ما الذي يمكن أن أفعله بمبلغ ضئيل كهذا؟" تفكر أم أحمد بأن تجرب حظها في أوروبا. هدفها هو أن تصل بأي شكل إلى مليلة، تلك المدينة الإسبانية الملونة والمحصّنة في شمال المغرب، والتي تحيط بها أسوار عالية معدنية. “كنت أتمنى البقاء في المغرب فالناس مضيافون، ونحن نعيش مرتاحين هنا، لكن ماذا أفعل لكي نعيش بشكل معقول؟ العمل نادر هنا، والمغاربة أنفسهم يجهدون لتحصيل ما يكفي. إلا في حال قدمت الحكومة لللاجئين مساعدات معقولة كما في فرنسا. إن لم يحصل ذلك، كيف سنتدبر أمورنا؟"

"كانت لدينا سيارتان، وكنا أشخاصاً طبيعيين"

حي الرياض في الرباط هو الواجهة الجديدة للعاصمة. في مركزه يرتفع جسر المغرب تيليكوم المصنوع من الزجاج والنحاس. هنا، بعيداً عن فندق افريقية، في طرف المدينة الآخر عند حدود المدينة القديمة حيث تستقبلهم رائحة العفن العنيدة التي تنتشر، يقوم اللاجئون السوريون بالتسول. من فندقهم الذي صادرته السلطات لتسكنهم فيه، هناك ما يقارب عشر عائلات قادمة من حلب ودمشق . تراهم كل صباح يتسللون إلى الترامواي الذاهب إلى المدينة الجامعية. عليهم بعدها أن يسيروا أكثر من ثلاث كيلومترات على الأقدام لكي يجدوا أنفسهم في موقف سيارات مرجان، المركز التجاري الضخم. هناك يحملون جوازات سفرهم بأيديهم الممدودة آملين أن ينالوا بعض قطع النقود من زائري المركز التجاري. فاطمة، التي ترتدي عباءة سوداء مهترئة تركض من سيارة لسيارة قائلة "نحن عائلة سورية، ساعدونا!” علامات التعب واضحة في عيون هذه المرأة الخمسينية كما في عيون ابنتيها اللتين ترافقانها. أمام الصحفيين الذين يأتون كل يوم لطرح الأسئلة عليها، تقوم فاطمة المتعبة بالصراخ "أرجوكم لا تلتقطوا صوراً. لا أريد أن يتعرّف عليّ الناس في سورية. يمكن أن يقتلوا من بقي من عائلتي هناك!” لقد فقدت كل شئ في حماه، مدينة أفامية القديمة، المدينة الشهيدة مرتين، الأولى خلال حكم حافظ الأسد الذي قام بحمله قمع دموية ضد الأخوان المسلمين في 1982, والثانية فترة حكم وريثه بشار الذي أمسك بالمدينة بيد من حديد. “لقد أخذت الحرب كل الغالين علينا، وأقرباءنا وأموالنا. كنت أسكن في بيت كبير مع ابني وأحفادي. كانت لدينا سيارتان، وكنا أشخاصاً طبيعيين، مثلكم".