فرنسا في حداد

2015-01-10

ذهول و حيرة و ألم.  عرفت الأسرة الإعلامية و المجتمع الفرنسي عامة تعبئة شاملة جعلت الصفوف متراصة في التنديد بالمذبحة التي تعرضت لها مكاتب ً شارلي هبدو ً و أعلن يوم 8 جانفي – يناير يوم حداد وطني مع تجمعات في كل البلاد و تنظيم مظاهرة موحدة يوم الأحد لشجب الكراهية.

 

قد يكون أحيانا للتراجيديا الجماعية مرارة الدراما الفردية و الحزن الشخصي. فتمسي ألما لا يهدأ مع إحساس بأن شيئا ما اقتلع منا و بأن لا شيء سيعود كما كان.

إذن سيكون هناك ما قبل 7 جانفي – يناير 2015 و ما بعده. للمرة الأولى في تاريخ فرنسا  وفي تاريخ صحافتها يردى صحافيون قتلى  كما لو كانوا كلابا. وقعت تصفية أقلامهم الساخرة وجرأتهم و تحديهم في حمام من الدم. لقد فعل الحقد فعلته ففقدت فرنسا في بضع لحظات خيرة رسامي الكاريكاتير.  هم رسامون أضحكوا أجيالا باستفزازتهم التي اعتبرها بعضهم مسيئة للإسلام و للمسلمين. تناسى البعض أن هؤلاء الرسامين قد احيوا ذكرى 17 أكتوبر -  1991 تاريخ تلك المجزرة التي تسيء لتاريخ العاصمة الفرنسية.

إذن وقع اغتيال السخرية و الخيال و مبادئ حرية التعبير والديمقراطية ذاتها في قلب باريس. هدفهم واضح : تأجيج الاستقطاب و تعفين مناخ نتن و جعل العنصرية أمرا عاديا و تمرير الاسلاموفوبيا المتزايدة في المجتمع الفرنسي منذ بضع سنوات.

ولكن بعد الألم و الشجب اللذين أثارتهما المجزرة و بعد هبة الرجل الواحد التي ألفت بين الفرنسيين مع تنوع انتماءاتهم ثمة أسئلة لابد من طرحها : هل من المعقول دفع المسلمين الفرنسيين للتعبير عن رفضهم للتطرف الإسلامي |؟ ألا يعني ذلك الزج بهم في قوقعة الانتماء و منحهم وضعا خاصا ملائما للخلط و معاديا لمبادئ الجمهورية ؟

لن نكل القول بأن الأمر لا يتعلق بالدين بل بالفقر و الجهل و النسيان الذي تركت فيه أقسام كبيرة من المجتمع الفرنسي. مما يشكل أرضا خصبة لثقافة الكراهية التي يتولى التبشير بها اليمين المتطرف مستغلا هذا الحقد كما يبشر بها بعض أشباه المثقفين.

من ناحية أخرى كيف يمكن الاعتقاد بأن فشل السياسة الأورومتوسطية و الحروب و الصراعات التي تهز كل المنطقة لن تكون لها انعكاسات على الدول الأوروبية ؟ لما توفي الصحفي الفرنسي – اللبناني سمير قصير ببيروت في انفجار سيارة مفخخة أو لما اغتيل الناشط التونسي شكري بلعيد برصاص الغدر كان رد فعل زوجاتهما المباشر التسلح بالفكر و الآراء  و النضال من أجل الحرية. علينا أن نقتفي أثرهما.

Lire aussi