Morocco
طريق المهاجرين المغاربة الجديدة نحو الإلدورادو الأوروبي
2015-10-15

"نلتقي جميعا لنشرب قهوة في إزمير الأسبوع المقبل"، قال شاب بيضاوي مخاطبا صديقا له في آخر لقاء بينهما وهو يتأهب للسفر في اليوم الموالي إلى تركيا في رحلة عزم على أن يعود منها. لا يتعلق الأمر بمجرد مزحة ثقيلة الدم فالشاب البيضاوي كان يعني فعلا ما يقول. تحول السفر إلى تركيا في الأشهر القليلة الماضية بالنسبة للشباب المغربي إلى هوس حقيقي، بين الشباب البيضاوي في المقاهي وفي الشارع لا موضوع آخر يشغل النقاش العام غير فكرة الهجرة إلى أوروبا عبر البوابة التركية التي أصبحت في الشهرين الماضيين قبلة للشباب اليائس الحالم بمستقبل أفضل على الأرض الأوروبية.
إنه جيل جديد من "الحراكة" (المهاجرين السريين) الذين جعلوا من الثغرة التركية منفذا للانعتاق من كابوس يعيشونه يوميا في بلدهم،جيل مستعد لقطع آلاف الكيلومترات برا وبحرا وتجاوز حدود أكثر من ستة دول لا يعرفون عن لغتها أو تضاريسها أو أهلها شيئا. من مطار محمد الخامس في البيضاء تبدأ رحلة الألف ميل المحفوفة بالمخاطر في محاولة للوصول إلى الإلدورادو الأوروبي المزعوم.
المأساة الإغريقية
مساء الأربعاء 9 دجنبر قررت السلطات اليونانية بشكل نهائي طرد جميع المهاجرين السريين المرابضين في مدينة إيدوميني على الحدود اليونانية المقدونية الذين كانوا ينتظرون فرصتهم في العبور طمعا في الوصول إلى أوروبا، المهاجرون المحاصرون على الحدود منذ أن قررت السلطات المقدونية السماح فقط للاجئين من جنسيات سورية وعراقية وأفغانية بعبور الحدود قاطعة الطريق على أكثر من 4000 مهاجرا ينحدرون من جنسيات مختلفة، من بينهم حوالي 700 مغربي بحسب ما أكدته مصادر عاملة في منظمات حقوقية في عين المكان ل "لوديسك".
ونقلت السلطات اليونانية المهاجرين الذين لا ينحدرون من جنسيات سورية وعراقية وأفغانية إلى مخيمات نصبت في إحدى الملاعب الرياضية في العاصمة اليونانية أثينا. " لم يعد هناك أي مهاجر مغربي في هذه اللحظة في إيدوميني بعد أن قامت السلطات بإجلاء جميع الجنسيات التي لا تعتبرها المعاهدات الدولية كلاجئين وأرسلتهم إلى ملاجئ مختلفة في العاصمة اليونانية، وبحسب ما عاينته من خلال متابعتي لملف اللاجئين في هذا المعبر الحدودي فإن أوضاعهم وخصوصا المغاربة الذين صادفت الكثير منهم كانت سيئة جدا، المعيشة في هذا المخيم كانت جد مزرية لأن هذا المكان لم يكن معدا لاحتضان اللاجئين من الأساس بل كان مجرد معسكر للعبور وليس قادرا على استيعابهم لمدة تتجاوز أسابيع طويلة. لذلك لم يكن بإمكان الدولة اليونانية أن تقوم بأشياء كثيرة بالنسبة لهم وتكفلت المنظمات غير الحكومية المحلية ومنظمة أطباء بلا حدود وغيرها بتوفير الطعام والملابس ولوازم التدفئة لهم "، تشرح لنا الصحفية اليونانية ماريانا كاراكولاكي التي قامت بتغطية الأحداث على الحدود اليونانية-المقدونية إلى حين ترحيل هؤلاء اللاجئين إلى أثينا.

لكن أي قدر هذا الذي رمى بحوالي 700 مغربي إلى جحيم المعاناة على الحدود اليونانية المقدونية؟ هي قصة طويلة لم تنته بعد، ربما بدأت للتو أو لم تبدأ بعد، هذا فصل صغير فقط من فصول المأساة التي يتعين على كل حالم بمعانقة الفردوس الأوروبي أن يعيشها ويمر منها. ورغم كل شيء لا يزال المهاجرون المغاربة مصممين على الاستمرار في هذه الرحلة مهما كلفهم الأمر، " التقيت مهاجرا مغربيا يدعى أيوب قال إنه يحمل ديبلوما عاليا في المعلوميات، قال لي إنه لم يقطع كل هذه المسافة برا وبحرا وجوا ليتراجع، لا يمكنه العودة إلى المغرب لأن الأمر سيكون بمثابة فشل شخصي بالنسبة إليه، لا فرص للعمل بكرامة في بلده كما قال، وهو لا يفهم كيف أن السلطات في دول البلقان ترفض اعتباره لاجئا كالبقية، أنا لاجئ لأنني لا أستطيع العيش بشكل جيد في بلدي"، تحكي إليزابيت ديميرتاس وهي متطوعة محلية عملت على مساعدة اللاجئين في إيدوميني عن لقائها بأحد الشبان المغاربة المنحدرين من مدينة آسفي.
في اليونان ومقدونيا وصربيا لا ينظر إلى المهاجرين المغاربة كلاجئين بل كمهاجرين اقتصاديين فقط، تطرح هذه الاعتبارات التي اتخذتها حكومات عدد من دول البلقان المهاجرين من جنسيات مختلفة في مواجهات بينهم قد تصل أحيانا إلى استعمال العنف، مواجهات لم تستثن المهاجرين المغاربة. " حصلت مواجهات بين مهاجرين من جنسيات مختلفة، أحيانا بين المغاربة والسوريين أو بين الإيرانيين والسوريين، الذين لم يسمح لهم بالعبور يصبحون عنيفين أحيانا تجاه الآخرين الذين سمحوا لهم بالعبور، في أكثر من مرة قام هؤلاء، هو تعبير عن الغضب وشعور بالإحباط أكثر منه أي شيء آخر، هناك أيضا مشكلة أن من تعتبرهم الحكومات البلقانية مجرد مهاجرين اقتصاديين باحثين عن فرص أفضل للعمل في أوروبا يشكون من المعاملة التمييزية، يشعرون أنهم لا يحظون بنفس العناية التي يحظى بها السوريون مثلا، يقولون إن المخيمات والملاجىء التي يوضعون فيها لا تتوفر فيها أدنى الشروط الإنسانية"، يقول الصحفي البريطاني دانييل تريلينغ متحدثا لموقعنا عن مشاهداته بعد أشهر من تغطيته لأزمة اللاجئين في أوروبا.
تحولت إيدوميني إلى عنوان للمأساة لأكثر من أسبوعين، ربما كانت المجموعة الأخيرة التي قررت تجريب هاته المغامرة أسوء حظا ممن سبقتها والتي استطاعت العبور بسلام إلى ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا. كان يتناقل العالم صور مأساة القرن وفي قلبها دفع شبان مغاربة ثمن هذه المحاولة المريرة غاليا. كما هو الشأن بالنسبة للشاب المنحدر من الزغنغن في الناظور إلياس المزياني الذي لقي حتفه بعد إصابته بصعق كهربائي على الحدود اليونانية في الرابع من ديسمبر من الشهر الحالي وهو يحاول تحدي قرار السلطات المحلية برفض عبوره للحدود ليصل إلى جنة يحلم بها في بلاد أنجيلا ميركل.
في اليونان ومقدونيا وصربيا لا ينظر إلى المهاجرين المغاربة كلاجئين بل كمهاجرين اقتصاديين فقط، تطرح هذه الاعتبارات التي اتخذتها حكومات عدد من دول البلقان المهاجرين من جنسيات مختلفة في مواجهات بينهم قد تصل أحيانا إلى استعمال العنف، مواجهات لم تستثن المهاجرين المغاربة. " حصلت مواجهات بين مهاجرين من جنسيات مختلفة، أحيانا بين المغاربة والسوريين أو بين الإيرانيين والسوريين، الذين لم يسمح لهم بالعبور يصبحون عنيفين أحيانا تجاه الآخرين الذين سمحوا لهم بالعبور، في أكثر من مرة قام هؤلاء، هو تعبير عن الغضب وشعور بالإحباط أكثر منه أي شيء آخر، هناك أيضا مشكلة أن من تعتبرهم الحكومات البلقانية مجرد مهاجرين اقتصاديين باحثين عن فرص أفضل للعمل في أوروبا يشكون من المعاملة التمييزية، يشعرون أنهم لا يحظون بنفس العناية التي يحظى بها السوريون مثلا، يقولون إن المخيمات والملاجىء التي يوضعون فيها لا تتوفر فيها أدنى الشروط الإنسانية"، يقول الصحفي البريطاني دانييل تريلينغ متحدثا لموقعنا عن مشاهداته بعد أشهر من تغطيته لأزمة اللاجئين في أوروبا.
تحولت إيدوميني إلى عنوان للمأساة لأكثر من أسبوعين، ربما كانت المجموعة الأخيرة التي قررت تجريب هاته المغامرة أسوء حظا ممن سبقتها والتي استطاعت العبور بسلام إلى ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا. كان يتناقل العالم صور مأساة القرن وفي قلبها دفع شبان مغاربة ثمن هذه المحاولة المريرة غاليا. كما هو الشأن بالنسبة للشاب المنحدر من الزغنغن في الناظور إلياس المزياني الذي لقي حتفه بعد إصابته بصعق كهربائي على الحدود اليونانية في الرابع من ديسمبر من الشهر الحالي وهو يحاول تحدي قرار السلطات المحلية برفض عبوره للحدود ليصل إلى جنة يحلم بها في بلاد أنجيلا ميركل.

تحول ابن التسعة عشر عاما الذي كان يدرس في التكوين المهني قبل سفره إلى أيقونة شاهدة على ما يفعله اليأس والتهميش وانعدام العدالة، إحساس مزدوج بالظلم من البلد الأم ومن رفض أوروبا السياسي لأن تكون فضاء مفتوحا. تحولت إيدوميني في الساعات التي تلت وفاة إلياس إلى ساحة حرب بين المهاجرين المغاربة الغاضبين و قوات الأمن اليوناني، وتضامن المهاجرون من باقي الجنسيات مع المغاربة الذين حملوا جثة إلياس إلى السياج الحدودي وأعلنوا العصيان.
"كل ما كان يريده إلياس هو الحصول على عمل كريم وإعالة عائلته، لا أحد يريد أن يترك بلده ليذهب في رحلة غير مضمونة، لم يكن إلياس حاقدا لكنه كان طموحا وفقيرا كمعظم أبناء الزغنغن الذين يشعرون بالإهمال ولا يرون مستقبلا لهم، نعم إنه خطأ الدولة بشكل أو آخر"، يقول لنا أحد أصدقاء الراحل إلياس وهو لا يخفي رغبته في القيام بنفس الرحلة رغم المخاطر التي تنطوي عليها ورغم تشديد الإجراءات والقرارات الجديدة التي اتخذتها الدول الأوروبية.

من اسطنبول نقطة البداية
" لا أريد العودة إلى المغرب، ما الذي سأفعله هناك، سأبقى في أوروبا وسأبحث عن عمل، لم يعد لدي ما أخسره..لقد عانينا كثيرا هنا ومصيرنا مجهول ولم يتبق لي سوى مبلغ 300 درهم في جيبي لكنني سأكمل طريقي إلى فرنسا"، يقول لنا الحسين أيت أحمد الذي كان يتحدث لنا بصوت متعب عبر الهاتف من إحدى المقاهي في العاصمة اليونانية مساء يوم الخميس الماضي بعد أن رحلتهم السلطات اليونانية قسرا من إيدوميني في انتظار التقرير في مصيرهم، كان الحسين لتوه يستريح وينفض عنه آثار جحيم ذاقه لأسابيع ويعرف أنه مستمر.
ابن مدينة ورزازات البالغ من العمر عشرين سنة والذي يقطن منذ سنوات في حي سباتة في الدار البيضاء مع عائلته غادر المغرب منذ حوالي ثلاثة أسابيع ليجد نفسه بعد هذه الرحلة الطويلة عالقا في بلاد الإغريق. " يقولون إنهم سيقومون بترحيلنا إلى المغرب مجددا لأن لا خيار لهم غير ذلك، لا يمكنهم قبول دخولنا إلى أوروبا لأن بلادنا لا تعيش حربا أو أزمة كما يقولون، أجبرونا على المغادرة وترك الحدود في الساعة الخامسة صباحا بوضعنا في الحافلات. لقد عاملونا بشكل سيء، صحيح أننا كنا نتوقع كل شيء لكن انتظرنا على الأقل اهتماما أكبر بوضعنا الإنساني والصحي. عشنا كل أنواع العذاب وقضينا ليالي طويلة بلا نوم وبلا غطاء وأحيانا كثيرا بدون طعام .. مر أكثر من أسبوع دون أن آخذ حماما. لكن رغم كل شيء أنا لا أريد أن أرحل، سأحاول تجريب طريق أخرى، لقد أخبرنا بعض الوسطاء أن هناك منافذ أخرى يمكننا بها العبور إلى أوروبا "، يردف الحسين سرده الحزين.
" لا أريد العودة إلى المغرب، ما الذي سأفعله هناك، سأبقى في أوروبا وسأبحث عن عمل، لم يعد لدي ما أخسره..لقد عانينا كثيرا هنا ومصيرنا مجهول ولم يتبق لي سوى مبلغ 300 درهم في جيبي لكنني سأكمل طريقي إلى فرنسا"، يقول لنا الحسين أيت أحمد الذي كان يتحدث لنا بصوت متعب عبر الهاتف من إحدى المقاهي في العاصمة اليونانية مساء يوم الخميس الماضي بعد أن رحلتهم السلطات اليونانية قسرا من إيدوميني في انتظار التقرير في مصيرهم، كان الحسين لتوه يستريح وينفض عنه آثار جحيم ذاقه لأسابيع ويعرف أنه مستمر.
ابن مدينة ورزازات البالغ من العمر عشرين سنة والذي يقطن منذ سنوات في حي سباتة في الدار البيضاء مع عائلته غادر المغرب منذ حوالي ثلاثة أسابيع ليجد نفسه بعد هذه الرحلة الطويلة عالقا في بلاد الإغريق. " يقولون إنهم سيقومون بترحيلنا إلى المغرب مجددا لأن لا خيار لهم غير ذلك، لا يمكنهم قبول دخولنا إلى أوروبا لأن بلادنا لا تعيش حربا أو أزمة كما يقولون، أجبرونا على المغادرة وترك الحدود في الساعة الخامسة صباحا بوضعنا في الحافلات. لقد عاملونا بشكل سيء، صحيح أننا كنا نتوقع كل شيء لكن انتظرنا على الأقل اهتماما أكبر بوضعنا الإنساني والصحي. عشنا كل أنواع العذاب وقضينا ليالي طويلة بلا نوم وبلا غطاء وأحيانا كثيرا بدون طعام .. مر أكثر من أسبوع دون أن آخذ حماما. لكن رغم كل شيء أنا لا أريد أن أرحل، سأحاول تجريب طريق أخرى، لقد أخبرنا بعض الوسطاء أن هناك منافذ أخرى يمكننا بها العبور إلى أوروبا "، يردف الحسين سرده الحزين.

لكن هل يستحق الأمر كل هذا العناء ؟ هل يستحق مجرد حلم قد يكون بعيدا عن الواقع كل هاته التضحيات ؟ هل حقا اختار الحسين ورفاق المحنة البديل السليم ؟ هي تساؤلات مؤرقة تراود الحسين في كل دقيقة لكن لا مجال للتراجع إلى الوراء. " لنكون صرحاء هناك من أتى معي في هذه الرحلة وهو ليس مجبرا على القيام بها، يستطيع العيش بشكل أفضل في المغرب لكنه ذلك الانبهار بأوروبا من دفعهم إلى المغامرة، الذين لا يزالوا يحلمون بأخذ هذه المجازفة عليهم أن يعرفوا ما ينتظرهم هنا، هي ليست طريقا مفروشة بالورود"، يضيف الحسين الذي حصل للتو على شهادة الباكلوريا (شعبة أدبية) ويطمح في أن يكمل دراسته في فرنسا ويعمل لإعالة والديه وإخوته الثلاثة.
كمعظم الشباب المغاربة اقترض الحسين الجزء الأكبر من مبلغ الرحلة المتراوح بين مليوني وثلاثة ملايين سنتيم في معظم الحالات من أفراد العائلة والمقربين، و هو شبه مفلس الآن بعد أن أنفق كل ما جمعه على مصاريف الرحلة، حيث اقتنى تذكرة الطائرة بحوالي 7000 درهم، وعند وصوله إلى تركيا مكث في منزل يكتريه أحد الوسطاء المغاربة لمدة أزيد من عشرة أيام، ولحسن حظ الحسين فقط تعاطف الوسيط المغربي مع وضعيته وأعفاه من أداء تكاليف إضافية قبل وصوله إلى إزمير جنوب غرب تركيا، من هذه المدينة الساحلية ذات المناخ المتوسطي التي تعتبر ثالث أكبر سكاني في تركيا بعد اسطنبول وأنقرة تبدأ المتاعب، هنا يلتقي الراغب في الوصول إلى فردوس أوروبا بأباطرة تهريب البشر الحقيقيين، أشخاص لا رحمة لهم ولا شفقة. هنا تبدأ رحلة الابتزاز وتصبح مجبرا على التفاوض مع رجال مسلحين يتكلفون بتنظيم العملية واستقبال المال قبل أن يقبلوك ضيفا على القارب المطاطي الصغير، عليك أن تدفع مبلغا لا يقل عن 8000 درهم وإلا سيقوم مهربو البشر بالتخلص منك وتركك في الخلاء في مكان مجهول. كثيرون ممن حضروا فقط بمبلغ تذكرة الطائرة وحاولوا تركوا في العراء. كما يحكي الحسين.
كمعظم الشباب المغاربة اقترض الحسين الجزء الأكبر من مبلغ الرحلة المتراوح بين مليوني وثلاثة ملايين سنتيم في معظم الحالات من أفراد العائلة والمقربين، و هو شبه مفلس الآن بعد أن أنفق كل ما جمعه على مصاريف الرحلة، حيث اقتنى تذكرة الطائرة بحوالي 7000 درهم، وعند وصوله إلى تركيا مكث في منزل يكتريه أحد الوسطاء المغاربة لمدة أزيد من عشرة أيام، ولحسن حظ الحسين فقط تعاطف الوسيط المغربي مع وضعيته وأعفاه من أداء تكاليف إضافية قبل وصوله إلى إزمير جنوب غرب تركيا، من هذه المدينة الساحلية ذات المناخ المتوسطي التي تعتبر ثالث أكبر سكاني في تركيا بعد اسطنبول وأنقرة تبدأ المتاعب، هنا يلتقي الراغب في الوصول إلى فردوس أوروبا بأباطرة تهريب البشر الحقيقيين، أشخاص لا رحمة لهم ولا شفقة. هنا تبدأ رحلة الابتزاز وتصبح مجبرا على التفاوض مع رجال مسلحين يتكلفون بتنظيم العملية واستقبال المال قبل أن يقبلوك ضيفا على القارب المطاطي الصغير، عليك أن تدفع مبلغا لا يقل عن 8000 درهم وإلا سيقوم مهربو البشر بالتخلص منك وتركك في الخلاء في مكان مجهول. كثيرون ممن حضروا فقط بمبلغ تذكرة الطائرة وحاولوا تركوا في العراء. كما يحكي الحسين.

من إزمير إلى ليسبوس :رحلة الموت
يقطع المهاجرون الرحلة من على شاطىء إزمير في اتجاه إزمير في جزيرة ليبسوس اليونانية، قد لا تتجاوز مدة الرحلة بحرا ساعتين إذا كان القارب من النوع الجيد وحركة البحر عادية، وخمسة ساعات إذا كان القارب قديما أو إذا طرأ فيه عطل ما، وعادة يترك المهاجرون لوحدهم في القارب ولا يرافقهم أي أحد. " يمنحونك فقط أدوات يمكنك أن تجذف بها ثم يتركونك تنطلق، كل قارب يحتضن حوالي خمسين شخصا، استمرت رحلتنا خمسة ساعات لأن القارب الذي استعملناه كان مهترئا، لقد أحسست بالخوف وفي لحظة ما بكيت، قبل أن نصل بأمان إلى الجزيرة اليونانية "، يصف الحسين كابوس الرحلة البحرية قبل الوصول إلى ليبسوس التي قضوا فيها يومين قبل أن تنقلهم السلطات اليونانية إلى أثينا على متن باخرة بعد تسجيل بياناتهم.
عند الوصول إلى أثينا يشرع المهاجرون في تدبير وسيلة للحصول على بيانات مفبركة، يتداول المهاجرون اسم "الخرطية" وهي الوثيقة التي تعني أنه يعتبر لاجئا يحق له العبور. في الأشهر القليلة الماضية قبل أن تحصر الدول البلقانية صفة اللاجىء في جنسيات معينة كان المغاربة يحصلون على هذه الوثيقة بسهولة لذلك كان وصولهم إلى قلب أوروبا أمرا يسيرا. الآن أمامهم حل وحيد وهي تحصيل أوراق تسجيل جديدة تخفي هوياتهم وتقدمهم بأسماء جديدة كسوريين مثلا، في اليونان هناك شبكة متخصصة في تزوير مثل هذه البيانات. وهو ما قام به الحسين فعلا مقابل حوالي 500 درهم لكن حظه كان سيئا لأن مهاجرين سوريين قاموا بالوشاية به إلى السلطات حينما كان يستقل القطار معهم في اتجاه الحدود مع مقدونيا ففقد هذه الوثيقة. لكنه واصل رغم ذلك رحلته إلى أن وصل إلى إيدوميني لكن أمر العبور كان مستحيلا هذه المرة لأنه مغربي. " يعتقد بعض السوريون أننا نزاحمهم ولذلك ينبذوننا، يقولون إنه لا مبرر قاهر لنا لنتواجد هنا، كنت سأكون قد وصلت الآن إلى ألمانيا وبعدها إلى فرنسا لو لم يصيحوا في القطار : إنه مغربي "، يتحدث أيت أحمد بنوع من الغصة.
لكن لماذا لا يطلب العالقون في اليونان ممن رفض تمكينهم من العبور اللجوء في اليونان ؟ الحسين لا يمانع في ذلك فكل ما يريده هو العمل لكنه يعتقد أن الأمر معقد في ظل الظروف الهشة التي تعانيها اليونان المفلسة حاليا. " اليونانيون أصلا لا يجدون عملا فكيف نحصل عليه نحن، نريد الذهاب إلى أوروبا الحقيقية، وسنبقى نحاول "، يختم الحسين أيت حمد حديثه الطويل معنا.
يقطع المهاجرون الرحلة من على شاطىء إزمير في اتجاه إزمير في جزيرة ليبسوس اليونانية، قد لا تتجاوز مدة الرحلة بحرا ساعتين إذا كان القارب من النوع الجيد وحركة البحر عادية، وخمسة ساعات إذا كان القارب قديما أو إذا طرأ فيه عطل ما، وعادة يترك المهاجرون لوحدهم في القارب ولا يرافقهم أي أحد. " يمنحونك فقط أدوات يمكنك أن تجذف بها ثم يتركونك تنطلق، كل قارب يحتضن حوالي خمسين شخصا، استمرت رحلتنا خمسة ساعات لأن القارب الذي استعملناه كان مهترئا، لقد أحسست بالخوف وفي لحظة ما بكيت، قبل أن نصل بأمان إلى الجزيرة اليونانية "، يصف الحسين كابوس الرحلة البحرية قبل الوصول إلى ليبسوس التي قضوا فيها يومين قبل أن تنقلهم السلطات اليونانية إلى أثينا على متن باخرة بعد تسجيل بياناتهم.
عند الوصول إلى أثينا يشرع المهاجرون في تدبير وسيلة للحصول على بيانات مفبركة، يتداول المهاجرون اسم "الخرطية" وهي الوثيقة التي تعني أنه يعتبر لاجئا يحق له العبور. في الأشهر القليلة الماضية قبل أن تحصر الدول البلقانية صفة اللاجىء في جنسيات معينة كان المغاربة يحصلون على هذه الوثيقة بسهولة لذلك كان وصولهم إلى قلب أوروبا أمرا يسيرا. الآن أمامهم حل وحيد وهي تحصيل أوراق تسجيل جديدة تخفي هوياتهم وتقدمهم بأسماء جديدة كسوريين مثلا، في اليونان هناك شبكة متخصصة في تزوير مثل هذه البيانات. وهو ما قام به الحسين فعلا مقابل حوالي 500 درهم لكن حظه كان سيئا لأن مهاجرين سوريين قاموا بالوشاية به إلى السلطات حينما كان يستقل القطار معهم في اتجاه الحدود مع مقدونيا ففقد هذه الوثيقة. لكنه واصل رغم ذلك رحلته إلى أن وصل إلى إيدوميني لكن أمر العبور كان مستحيلا هذه المرة لأنه مغربي. " يعتقد بعض السوريون أننا نزاحمهم ولذلك ينبذوننا، يقولون إنه لا مبرر قاهر لنا لنتواجد هنا، كنت سأكون قد وصلت الآن إلى ألمانيا وبعدها إلى فرنسا لو لم يصيحوا في القطار : إنه مغربي "، يتحدث أيت أحمد بنوع من الغصة.
لكن لماذا لا يطلب العالقون في اليونان ممن رفض تمكينهم من العبور اللجوء في اليونان ؟ الحسين لا يمانع في ذلك فكل ما يريده هو العمل لكنه يعتقد أن الأمر معقد في ظل الظروف الهشة التي تعانيها اليونان المفلسة حاليا. " اليونانيون أصلا لا يجدون عملا فكيف نحصل عليه نحن، نريد الذهاب إلى أوروبا الحقيقية، وسنبقى نحاول "، يختم الحسين أيت حمد حديثه الطويل معنا.

وبحسب مصدر في المفوضية السامية للاجئين باليونان فإنه لا يوجد هناك ما يمنع من طلب اللجوء في اليونان بالنسبة للمهاجرين المغاربة وبقية الجنسيات. " منعهم من العبور ليس خيارا أو قرارا اتخذته اليونان من تلقاء نفسها، لكنه متعلق بالسياسات الأوروبية، المغاربة الذين التقيناهم يشددون على أنهم لاجئون أيضا،نحن نتفهم الأمر لكن ليس هناك أي شيء يمكننا فعله، نتفهم أنهم قطعوا مسافات طويلة أملا بتسجيلهم كلاجئين والحصول على حياة أفضل في مكان ما، لكن في هذه اللحظة لا يمكننا القيام بشيء"، يعلق متحدث باسم المشرفين على مخيم "موريا كامب" في جزيرة ليسبوس في حديث ل "لوديسك".
ورغم الاعتقاد السائد بأن الوضع في مخيمات اللاجئين في أثينا قد يكون أفضل فإن الواقع كما يحكيه مهاجر سري مغربي آخر مغاير، محمد عزيز وهو واحد من أكبر العالقين مغاربة تقدما في السن، تجاوز سنه الخمسين يتحدث عن ظروف غير إنسانية في ملاجئ أثينا. " السلطات اليونانية تجاوزها الأمر ولم تعد تستطيع القيام بأي شيء، تعامل رجال الأمن معنا سيء جد، لقد تعرضت لاعتداء من طرف أحد رجال الأمن حينما تصرف بشكل فظ وغير محترم مع أحد المهاجرين المغاربة، بحكم أنني الأكبر سنا حاولت التدخل فكان أن ضربني، لم أكن أتصور "، يوضح لنا محمد.
لهذا الكهل قصة مختلفة نوعا ما عن القصص المتشابهة نسبيا لشبان تائهين في بلدهم،و كما يحكي محمد بنفسه فإنه سافر إلى تركيا سائحا طبيعيا قبل أن يقوده الفضول إلى السفر إلى أزمير للاطلاع على أحوال المهاجرين السريين المغاربة هناك، ليحصل ما لم يكن ينتظره حينما تعرض للسرقة من طرف بعض المهاجرين السريين " سرقوا أموالي، وملابسي وجميع حاجياتي بما فيها جواز سفري،تركوني من دون أي شيء وأصبحت عالقا هنا"، كان محمد في المغرب يعمل تقنيا لمواد التنظيف وكان قد أسس شركته الخاصة.
أمام هذا الظرف، لم يبق أمام محمد أي خيار من أن يركب رحلة العذاب هاته رفقة بقية المهاجرين، وكان هو من قاد القارب الذي حمله رفقة 47 مهاجرا آخر إلى جزيرة ليسبوس " لدي خبرة في قيادة القوارب لأنه سبق لي أن اشتغلت لفترة قصيرة في مارينا سمير لذلك نجحت في قيادة القارب رغم العطب الذي أصابه ونحن على مشارف جزيرة ليسبوس"، يتابع محمد الذي يخشى من إشاعة مترددة كثيرا في أوساط المهاجرين السريين المغاربة من كونهم سيواجهون السجن في حالة ترحيلهم وعودتهم إلى المغرب. من دون أي مال تقريبا سوى بعض المساعدات التي قدمها له متطوعون أو صحفيون تأثروا بوضعه الإنساني. لا يعرف محمد ما الذي يقرره الآن، فحتى لو كانت إمكانية العودة ممكنة فقد فقد معظم وثائقه ويصعب للسلطات اليونانية تأكيد هويته المغربية حتى يتم ترحيله إلى بلده.
ورغم الاعتقاد السائد بأن الوضع في مخيمات اللاجئين في أثينا قد يكون أفضل فإن الواقع كما يحكيه مهاجر سري مغربي آخر مغاير، محمد عزيز وهو واحد من أكبر العالقين مغاربة تقدما في السن، تجاوز سنه الخمسين يتحدث عن ظروف غير إنسانية في ملاجئ أثينا. " السلطات اليونانية تجاوزها الأمر ولم تعد تستطيع القيام بأي شيء، تعامل رجال الأمن معنا سيء جد، لقد تعرضت لاعتداء من طرف أحد رجال الأمن حينما تصرف بشكل فظ وغير محترم مع أحد المهاجرين المغاربة، بحكم أنني الأكبر سنا حاولت التدخل فكان أن ضربني، لم أكن أتصور "، يوضح لنا محمد.
لهذا الكهل قصة مختلفة نوعا ما عن القصص المتشابهة نسبيا لشبان تائهين في بلدهم،و كما يحكي محمد بنفسه فإنه سافر إلى تركيا سائحا طبيعيا قبل أن يقوده الفضول إلى السفر إلى أزمير للاطلاع على أحوال المهاجرين السريين المغاربة هناك، ليحصل ما لم يكن ينتظره حينما تعرض للسرقة من طرف بعض المهاجرين السريين " سرقوا أموالي، وملابسي وجميع حاجياتي بما فيها جواز سفري،تركوني من دون أي شيء وأصبحت عالقا هنا"، كان محمد في المغرب يعمل تقنيا لمواد التنظيف وكان قد أسس شركته الخاصة.
أمام هذا الظرف، لم يبق أمام محمد أي خيار من أن يركب رحلة العذاب هاته رفقة بقية المهاجرين، وكان هو من قاد القارب الذي حمله رفقة 47 مهاجرا آخر إلى جزيرة ليسبوس " لدي خبرة في قيادة القوارب لأنه سبق لي أن اشتغلت لفترة قصيرة في مارينا سمير لذلك نجحت في قيادة القارب رغم العطب الذي أصابه ونحن على مشارف جزيرة ليسبوس"، يتابع محمد الذي يخشى من إشاعة مترددة كثيرا في أوساط المهاجرين السريين المغاربة من كونهم سيواجهون السجن في حالة ترحيلهم وعودتهم إلى المغرب. من دون أي مال تقريبا سوى بعض المساعدات التي قدمها له متطوعون أو صحفيون تأثروا بوضعه الإنساني. لا يعرف محمد ما الذي يقرره الآن، فحتى لو كانت إمكانية العودة ممكنة فقد فقد معظم وثائقه ويصعب للسلطات اليونانية تأكيد هويته المغربية حتى يتم ترحيله إلى بلده.

يعمد معظم المهاجرين السريين المغاربة إلى التخلص من وثائقهم الثبوتية وجوازات سفرهم بمجرد وصولهم إلى جزيرة ليسبوس في محاولة إلى إخفاء هويتهم، " هناك من استطاع مراوغة وخداع السلطات اليونانية بتقديم أنفسهم كسوريين من خلال تقليد اللهجة السورية، لكن هذه المحاولة لا تنجح دائما خصوصا أن مراكز تسجيل اللاجئين عادة ما تستعمل مترجمين أو موظفين عرب يستطيعون بسهولة التمييز بين من ينتحل صفة اللاجئ السوري ومن لا يستطيع، لقد تدربت جيدا على تحدث السورية دون أخطئ الكلام وهكذا مع هوية مزورة تظهر أصولي السورية استطعت أن أعبر إلى مقدونيا لأصل بعدها إلى ألمانيا "، يحكي شاب مغربي استطاع الوصول إلى ألمانيا قبل شهر.
سماسرة مغاربة في الداخل والخارج
في المغرب ينشط عدد من الوسطاء ممن يتولون تسهيل مهمة الاتصال بوسطاء مهربي البشر في تركيا، كما يشرح لنا شاب من حي سباتة بالدار البيضاء غادر أكثر من سبعة من أصدقائه قبل شهرين. " الوسطاء الموجودون في المغرب يتولون مهمة ربط الاتصال بين الشاب الراغب في الهجرة والوسيط الذي سينتظره في اسطنبول، لقد أصبح سوقا حقيقيا، إنهم سماسرة حقيقيون مثل سماسرة المنازل. وعليك أن تدفع للوسيط الذي تلتقيه في المقهى أو في الشارع تسعيرة معينة تتراوح بين 1000 درهم أو ألفي درهم، الأمر مربح جدا، وعملية السمسرة هاته لا تقتصر على الرجال، هناك نساء لهن أقارب في تركيا مثلا أيضا تتاجرن في الأمر، الأمر أسهل بالنسبة إليهن لأنهن لن يثرن أي شكوك بالنسبة إلى السلطات"، يضيف الشاب وهو يشرح المسار الذي قطعه بعض أبناء حيه قبل الوصول إلى وجهتهم الأوروبية.
بعد ذلك يصبح الاتصال مباشرا بين الوسيط المتواجد في اسطنبول والمرشح للهجرة الذي يقوم بإرسال صورته إلى الوسيط المتواجد في تركيا حتى يتسنى له التعرف عليه أثناء استقباله في المطار، عادة ما يتلقى الوسيط المتواجد في تركيا مبلغا يتراوح بين 6000 درهم و 9000 درهم إذا ما كان هذا الوسيط سيقوم بمرافقة المرشحين إلى غاية مدينة إزمير وسيبقى معهم إلى غاية استقلالهم للقارب، بينما يتقلص هذا المبلغ في حال تعدد الوسطاء واقتصار دور الوسيط في اسطنبول على ربط الاتصال مع وسيط آخر في إزمير، فضلا عن هذه المصاريف يتكلف المهاجرون بمصاريفهم الأخرى بأنفسهم من حجز للفندق ومن مأكل ومشرب إلى حين موعد الرحلة.
مهاجر مغربي وصل إلى مودينا الإيطالية قبل عشرة أيام مثلا دفع مبلغ 8000 درهم إلى وسيط من جنسية مغربية اسمه الحركي "السيمو المغربي" يقطن في اسطنبول، بالإضافة إلى مبلغ 15 ليرة تركية لكل ليلة مبيت في الفندق، قضى هذا العامل السابق في إحدى المتاجر الكبرى في الدار البيضاء الذي غادر المغرب في 17 من شهر أكتوبر الماضي و-الذي يتحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية- يومين في اسطنبول قضاهما متنقلا بين الفندق وبين مقهى يعرفه المتهيئون للهجرة السرية باسم "البارك" لأنه ملتقى يؤمه معظم المهاجرين الحالمين بالعبور من مختلف الجنسيات.

بعدها سيحين موعد السفر إلى إزمير عبر الحافلات التي يخصصها لهم مهربو البشر الذين تغض السلطات التركية الطرف عنهم، " في الحافلة التي قمت باستقلالها كان هناك حوالي ستين مسافرا من جنسيات مختلفة، لقد سافرت واقفا لأزيد من عشر ساعات. أمام الحافلات التي كانت تقلنا كانت هناك سيارة من نوع بوجو تتكلف بمهمة تسهيل الطريق لنا وإغراء رجاء الأمن في نقط التفتيش بالمال مقابل السماح لنا بالمرور، هم من يتكلفون بالأمر نحن لا ندفع لهم أي شيء إضافي، يتعلق الأمر بمافيا حقيقية ومنظمة ولها أصدقاء في الأمن"، يشرح الشاب الذي قرر مغادرة المغرب بعد أن سئم ظروف عمله المزرية وراتبه الهزيل الذي لا يتجاوز 1200 درهم شهريا تاركا خلفه زوجة وابنين.
عند الوصول إلى شاطىء إزمير يبدأ الرجال المسلحون الأتراك بمخاطبة المرشحين للهجرة بأسمائهم وبأسماء مرافقهم أو وسيطهم، ومن يحضر بشكل عشوائي دون أن يكون تابعا لشخص ما فإنه يتم طرده. " لقد شهدت على حادثة تغطية عيون مهاجرين من إيران ثم أخذوهم إلى مكان بعيد وتركوهم لأنهم لم يحضروا مع أي وسيط، قبل الصعود إلى القارب يعمد المهربون إلى تجريد المهاجرن من أمتعتهم الثقيلة ليصعد أكبر عدد ممكن من المرشحين في القارب. كانت رحلة صعبة خصوصا في آخرها لأن المحرك انفجر على بعد أمتار من وصولنا للجزيرة، كان الجميع مرتعبا، لا أستطيع أن أمحو من ذاكرتي صورة النساء والأطفال السوريين والأفغان الذين يبكون. بعد أن أعادوني إلى أثينا قمت باستقلال الحافلة إلى إيدوميني وكلفني الأمر حوالي 400 درهم، حينما وصلنا إلى الحدود تم تسجيلنا ثم استطعنا الدخول إلى مقدونيا، لم أرد الانتظار طويلا في المخيمات فبحثت عن الحافلة للمغادرة مباشرة إلى صربيا، كلفتني هذه الرحلة حوالي 350 درهم طيلة عشرة ساعات. بقيت يوما واحدا فقط في المخيم في صربيا أين ساعدت كمتطوع في أعمال التنظيف قبل أن تتكلف السلطات هناك بمصاريف نقلنا في الحافلات إلى كرواتيا "، يروي تفاصيل رحلته المستمرة.
لا يقدم الكرواتيون أي وثيقة تثبت صفة لاجىء أو مهاجر لمن يصلون إلى أراضيها، وإلى غاية منتصف شهر نونبر لم تكن السلطات هناك تبدي أي مشكلة في تقبل المهاجرين واللاجئين. لم يقض محدثنا في كرواتيا إلا بضع سويعات ليستقل القطار إلى سلوفينيا ومنها وصل إلى النمسا. هناك بدأ يشعر أن رحلته اقتربت من النهاية " أعرف أنه من حسن حظي أنني سافرت في تاريخ مبكر على الإجراءات الجديدة، في النمسا وألمانيا عوملنا بشكل جيد أفضل من بقية الدول، وصلت إلى ميونخ التي قضيت فيها ليلة واحدة ومن ثم إلى فرنسا لأصل اليوم إلى إيطاليا".
يقول محدثنا إنه تخلى عن جواز سفره بمجرد الوصول إلى جزيرة ليسبوس كما يفعل معظم المهاجرين المغاربة لإخفاء هويتهم، لكنه عدل عن رأيه في آخر لحظة في تقمص هوية مهاجر سوري أو عراقي حينما وصل إلى مرحلة تسجيل بياناته. لم يكن دافعه في ذلك الخوف من الانكشاف وإنما الخوف من فقدان أثره وعدم التعرف عليه من طرف عائلته في حال إذا ما انتهت رحلته بشكل سيء، ولحسن الصدف فقد كان أحد العاملين في المخيمات مع الأمم المتحدة منحدرا من "الحي المحمدي" في الدار البيضاء.
اعتمدت نادية وهي شابة مطلقة ولها ابنة من مدينة الدار البيضاء على نفس الوسيط المغربي المتواجد في اسطنبول للوصول إلى فرنسا. ولا يعرف المرشحون للهجرة السرية عادة أي معلومات عن الهوية الحقيقية للوسيط ولا حتى ما يفعله. " كل ما يربطنا بالوسيط هو لقاءنا معه في المطار، يتعرف علينا من خلال الصور التي نبعثها على تطبيق واتساب، يوصلنا إلى الفندق ثم ندفع له حصته ويبقى على اتصال معنا ليخبرنا بموعد السفر إلى إزمير، ثم ينقطع الاتصال به، لقد كان هذا الشخص وهو في عقده الرابع تقريبا الوسيط الذي سهل المهمة لمئات من الشباب الذي أعرفهن، وعلى كل حال يمكنني إن أقول إن تعامله معنا كان جيدا لأنه مغربي عكس الوسطاء السوريين والعراقيين الذين قاموا بابتزاز عدد كبير من المرشحين المغاربة "، تروي نادية حكاية هجرتها ل "لوديسك".
عند الوصول إلى شاطىء إزمير يبدأ الرجال المسلحون الأتراك بمخاطبة المرشحين للهجرة بأسمائهم وبأسماء مرافقهم أو وسيطهم، ومن يحضر بشكل عشوائي دون أن يكون تابعا لشخص ما فإنه يتم طرده. " لقد شهدت على حادثة تغطية عيون مهاجرين من إيران ثم أخذوهم إلى مكان بعيد وتركوهم لأنهم لم يحضروا مع أي وسيط، قبل الصعود إلى القارب يعمد المهربون إلى تجريد المهاجرن من أمتعتهم الثقيلة ليصعد أكبر عدد ممكن من المرشحين في القارب. كانت رحلة صعبة خصوصا في آخرها لأن المحرك انفجر على بعد أمتار من وصولنا للجزيرة، كان الجميع مرتعبا، لا أستطيع أن أمحو من ذاكرتي صورة النساء والأطفال السوريين والأفغان الذين يبكون. بعد أن أعادوني إلى أثينا قمت باستقلال الحافلة إلى إيدوميني وكلفني الأمر حوالي 400 درهم، حينما وصلنا إلى الحدود تم تسجيلنا ثم استطعنا الدخول إلى مقدونيا، لم أرد الانتظار طويلا في المخيمات فبحثت عن الحافلة للمغادرة مباشرة إلى صربيا، كلفتني هذه الرحلة حوالي 350 درهم طيلة عشرة ساعات. بقيت يوما واحدا فقط في المخيم في صربيا أين ساعدت كمتطوع في أعمال التنظيف قبل أن تتكلف السلطات هناك بمصاريف نقلنا في الحافلات إلى كرواتيا "، يروي تفاصيل رحلته المستمرة.
لا يقدم الكرواتيون أي وثيقة تثبت صفة لاجىء أو مهاجر لمن يصلون إلى أراضيها، وإلى غاية منتصف شهر نونبر لم تكن السلطات هناك تبدي أي مشكلة في تقبل المهاجرين واللاجئين. لم يقض محدثنا في كرواتيا إلا بضع سويعات ليستقل القطار إلى سلوفينيا ومنها وصل إلى النمسا. هناك بدأ يشعر أن رحلته اقتربت من النهاية " أعرف أنه من حسن حظي أنني سافرت في تاريخ مبكر على الإجراءات الجديدة، في النمسا وألمانيا عوملنا بشكل جيد أفضل من بقية الدول، وصلت إلى ميونخ التي قضيت فيها ليلة واحدة ومن ثم إلى فرنسا لأصل اليوم إلى إيطاليا".
يقول محدثنا إنه تخلى عن جواز سفره بمجرد الوصول إلى جزيرة ليسبوس كما يفعل معظم المهاجرين المغاربة لإخفاء هويتهم، لكنه عدل عن رأيه في آخر لحظة في تقمص هوية مهاجر سوري أو عراقي حينما وصل إلى مرحلة تسجيل بياناته. لم يكن دافعه في ذلك الخوف من الانكشاف وإنما الخوف من فقدان أثره وعدم التعرف عليه من طرف عائلته في حال إذا ما انتهت رحلته بشكل سيء، ولحسن الصدف فقد كان أحد العاملين في المخيمات مع الأمم المتحدة منحدرا من "الحي المحمدي" في الدار البيضاء.
اعتمدت نادية وهي شابة مطلقة ولها ابنة من مدينة الدار البيضاء على نفس الوسيط المغربي المتواجد في اسطنبول للوصول إلى فرنسا. ولا يعرف المرشحون للهجرة السرية عادة أي معلومات عن الهوية الحقيقية للوسيط ولا حتى ما يفعله. " كل ما يربطنا بالوسيط هو لقاءنا معه في المطار، يتعرف علينا من خلال الصور التي نبعثها على تطبيق واتساب، يوصلنا إلى الفندق ثم ندفع له حصته ويبقى على اتصال معنا ليخبرنا بموعد السفر إلى إزمير، ثم ينقطع الاتصال به، لقد كان هذا الشخص وهو في عقده الرابع تقريبا الوسيط الذي سهل المهمة لمئات من الشباب الذي أعرفهن، وعلى كل حال يمكنني إن أقول إن تعامله معنا كان جيدا لأنه مغربي عكس الوسطاء السوريين والعراقيين الذين قاموا بابتزاز عدد كبير من المرشحين المغاربة "، تروي نادية حكاية هجرتها ل "لوديسك".

تعرفت نادية على الوسيط عن طريق صديق لها سبق أن تعامل معه، هكذا وفرت على نفسها أن تدفع تكاليف إضافية للوسيط المحلي.لم يكن الاتصال به يسيرا لأن الوسيط يحتاج لأن يثق في المرشح، " لقد رفض الإجابة على اتصالاتي في بادئ الأمر، قبل أن أبعث له رسالة نصية لجس نبضه، أخبرته أنني من طرف صديق ما وصل إلى ألمانيا وأريد السفر إلى تركيا وأود استفساره كيف هي الأمور، مرت الرسالة وأجابني بجملة واضحة: كل شيء ممكن، المطلوب فقط هو الدراهم، ثم طلب مني أن أبعث صورة لي أو صورة من جواز السفر عبر الواتساب وأن أخبره بموعد طائرتي لاحقا "، تتابع نادية كلامها.
لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة للاتصال بالوسطاء، إذ هناك وسطاء في الداخل المغربي يعرفون العملية بشكل جيد وكانوا يقومون بتهريب المهاجرين سابقا حتى قبل أن تصبح هذه الطريقة معروفة عالميا مع أزمة اللاجئين السوريين. وبحسب ما حكى لنا شاب من مدينة الدار البيضاء فإن هناك وسطاء مغاربة يترددون على اسطنبول بشكل مستمر بصفة سائحين يسافرون مع المرشحين إلى تركيا ويسهلون لهم العملية هناك. " لست بحاجة إلى أن تتصل بوسيط في تركيا، هناك وسطاء مغاربة سبق لهم أن كانوا مهاجرين في تركيا أو اليونان ولديهم شبكة علاقات قوية مع المهربين في تركيا، هناك شخص مثلا يسافر تقريبا كل شهر ونصف مع مجموعة من الشباب، يعرف المسار جيدا، وقد اقترح علي ثمنا تفضيليا في حالة إذا ما قررت الهجرة. لك أن تتصور مثلا ما يمكن أن يجنيه بتهجيره لسبعة إلى عشرة مهاجرين كل مرة، وهو الذي يطلب حوالي 9000 درهم مقابل تهجير كل فرد، يسافر معهم ثم يقضي يومين أو ثلاثة كسائح في تركيا ويعود إلى البلاد بشكل طبيعي"، يكمل الشاب البيضاوي كلامه عن الوسيط المغربي الذي يعرف التضاريس الأوروبية انطلاقا من تركيا إلى ألمانيا التي قطعها هو نفسه كمهاجر سري منذ سنوات بعيدة قبل أن يكتشفها الآخرون.
لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة للاتصال بالوسطاء، إذ هناك وسطاء في الداخل المغربي يعرفون العملية بشكل جيد وكانوا يقومون بتهريب المهاجرين سابقا حتى قبل أن تصبح هذه الطريقة معروفة عالميا مع أزمة اللاجئين السوريين. وبحسب ما حكى لنا شاب من مدينة الدار البيضاء فإن هناك وسطاء مغاربة يترددون على اسطنبول بشكل مستمر بصفة سائحين يسافرون مع المرشحين إلى تركيا ويسهلون لهم العملية هناك. " لست بحاجة إلى أن تتصل بوسيط في تركيا، هناك وسطاء مغاربة سبق لهم أن كانوا مهاجرين في تركيا أو اليونان ولديهم شبكة علاقات قوية مع المهربين في تركيا، هناك شخص مثلا يسافر تقريبا كل شهر ونصف مع مجموعة من الشباب، يعرف المسار جيدا، وقد اقترح علي ثمنا تفضيليا في حالة إذا ما قررت الهجرة. لك أن تتصور مثلا ما يمكن أن يجنيه بتهجيره لسبعة إلى عشرة مهاجرين كل مرة، وهو الذي يطلب حوالي 9000 درهم مقابل تهجير كل فرد، يسافر معهم ثم يقضي يومين أو ثلاثة كسائح في تركيا ويعود إلى البلاد بشكل طبيعي"، يكمل الشاب البيضاوي كلامه عن الوسيط المغربي الذي يعرف التضاريس الأوروبية انطلاقا من تركيا إلى ألمانيا التي قطعها هو نفسه كمهاجر سري منذ سنوات بعيدة قبل أن يكتشفها الآخرون.

لا يقتصر انتشار سماسرة التهجير على مدينة الدار البيضاء فقط، بل في معظم المدن المغربية، وكما تحكي لنا نادية فإن من التقتهم في رحلتها الطويلة قبل الوصول إلى فرنسا ينحدرون من مدن مختلفة كالناظور وآسفي ومراكش وأكادير وبني ملال وغيرها من المدن. " التقيت شبانا من مدينة آسفي على الحدود بين اليونان ومقدونيا قالوا إن حيين شعبيين على الأقل أصبحا فارغين من شبابهما العاطلين الذين سافروا جماعة إلى تركيا للوصول منها إلى تركيا". وأكد فاعلون جمعويون ل "لوديسك" أن حيي وادي الباشا ودرب مولاي الحسن سجلا أعدادا قياسيا في أرقام مغادرة الشباب المسفيوي إلى أوروبا في ظرف لا يتجاوز الشهرين، وتابعت نفس المصادر إن معظم هؤلاء هم ممن استحدثوا جوازات سفر بيومترية مؤخرا فقط.
مهربو اليونان أو الزحف إلى بلغاريا : آخر الخيارات
على الرغم من أن أخبار السياسة الجديدة التي ترفض السماح لبقية المهاجرين السريين بالعبور قد وصل إلى الشباب المغربي المتحمس لفكرة الهجرة، إلا أن ذلك لا يبدو أنه سيوقف حركة الهجرة إلى تركيا رغبة في الوصول إلى الجنة الأوروبية المزعومة. نعرف على الأقل ثلاثة حالات غادرت مباشرة بعد إخلاء النقطة الحدودية في إيدوميني قبل بضعة أيام، بحسب تأكيدات عدد من أقاربهم. فالسماسرة المغاربة يقنعونهم الآن بوجود حلول أخرى حتى لو تم منعهم على الحدود اليونانية المقدونية، بمجرد الوصول إلى اليونان سيجدون وسطاء آخرين لتهجيرهم بوسائل أخرى. يخبر السماسرة ضحايا الفقر والبطالة والهشاشة.

هذه المعلومة يؤكدها لنا الصحفي البريطاني دانييل تريلينغ، " في أثينا تنشط حركة مهربي البشر بشكل كبير، وعادة للنشاط أكثر بعد أزمة المهاجرين في إيدوميني. لقد التقيت مهاجرين من المغرب وإيران بجوار الملعب الذي يحتضن مخيمهم الآن بعد طردهم من إيدوميني وأخبروني أن وسطاء يونانيين اقترحوا عليهم تهجيرهم عبر الحافلات في إيطاليا بمقابل يصل إلى 2000 يورو. وهناك من يفكر في تغيير الوجهة مشيا على الأقدام أو متسللا في وسائل النقل وأخذ الطريق إلى بلغاريا قبل الوصول إلى الوجهة المحددة وهو أمر ينطوي على خطورة بالغة لأن السلطات البلغارية أكثر قسوة وعنفا في التعامل مع المهاجرين من غيرها، لكن من التقيتهم من المهاجرين المغاربة يبدون مصممين على عدم الاستسلام، بعضهم بدأ في ربط الاتصال بعائلته في المغرب لتحول له مبلغا من المال ليتمكن من الدفع للمهربين الذين سينقلونهم إلى إيطاليا، المثير للأمر أن بعض من التقيتهم أخبرني أنها ليست المرة الأولى التي يحاولون فيها الاستعانة بمهربين من داخل اليونان لتجاوز هذا المنع، الأمر مؤسف جدا لأن انتعاش مافيا تجارة البشر سببها هذه السياسة الأوروبية للهجرة "، يسرد الصحفي البريطاني المتخصص في تغطية القضايا الإنسانية ل "لوديسك" ملخص لقائه مع مهاجرين من المغرب يقولون إنهم سيستمرون في المحاولة ثم المحاولة إلى أن يحالفهم الحظ أو يلقوا مصير مواطنهم إلياس.
محتوى نقل من موقع "Le Desk" و ينشره باب الماد فى اطار برنامج "ابتكار"
Lire aussi
Fatima Mernissi, sociologie, littérature et humour pour raconter les Méditerranéennes
Une rapide promenade dans l’oeuvre d’une des plus grandes intellectuelles arabes, Fatima Mernissi, est une invitation à cerner les problématiques des femmes maghrébines dans une dialectique salutaire qui convoque aussi les femmes européennes. Celles-ci ne sont-elles pas également piégées par une forme d’ «harem mental» qui restreint et hypothèque leur liberté et leur bien- être?
2006-02-10