Lebanon
المسيحيون في لبنان
2014-11-16
لبنان هو البلد العربي الوحيد الذي يشكل المسيحيون فيه غالبية (40%من مجمل السكان اللبنانيين)، وهو أيضاً البلد العربي الوحيد الذي يذكر ميثاقه الوطني الذي وُضع أيام الانتداب الفرنسي انتماء اللبنانيين إلى طوائف دينية، وتقسم السلطة السياسية فيه على أساس طائفي بحيث يتوجب تمثيل جميع الطوائف بشكل عادل في الدولة. وبالإضافة إلى هذه الطائفية السياسية، ينص الدستور اللبناني على أن رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش هي من نصيب المسيحيين الموارنة.
وعلى العكس من الموارنة الذين يشكلون 23% من السكان، والذين يفخرون بكونهم ينحدرون من الفينيقيين، حافظ الروم الأرثوذكس على علاقة قوية مع البلاد العربية، كما أنهم يرتبطون بروابط علاقات دائمة مع البلاد الأوروبية الأرثوذكسية مثل روسيا وقبرص واليونان. وهم يشكلون 9% من مجمل السكان في لبنان.
ومن بين الطوائف المسيحية الأخرى في لبنان نجد الروم الكاثوليك أو الملكيين الذين يشكلون 5% من السكان، والأرمن الأرثوذوكس الذين يشكلون 30 %، والأرمن الكاثوليك (1%) والإنجيليون الذين تحولوا إلى البروتستانتية على يد المبشرين (1%). بالإضافة لهؤلاء هناك أقليات مسيحية تعيش في لبنان مثل السريان الأرثوذوكس والسريان الكاثوليك والكلدانيين والآشوريين (وجميعهم قدموا من العراق) واللاتين (الذين ينحدرون من الصليبيين الذين ظلوا مقيمين في لبنان بعد انتهاء الحملات الصليبية). كما نجد أيضاً الأقباط الأرثوذوكس والأقباط الكاثوليك القادمين من مصر.
على الرغم من الثقافة الفرنسية والفرانكوفونية التي اكتسبها المسيحيون اللبنانييون بفضل المدارس التبشرية الفرنسية التي افتتحت في مجمل البلاد خلال الانتداب، وعلى الرغم من انفتاحهم على الغرب بفضل التجارة والهجرة، فإن ذلك لم يمنعهم من أن يلعبوا دوراً لا يستهان به في حركة النهضة العربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فمعظم المعاجم العربية قد قام بتأليفها مسيحيون، وقد كانوا أيضاً اصحاب ورؤساء تحرير الجرائد العربية في لبنان وسورية ومصر؛ كما أنهم لعبوا دوراً هاماً في حركة الحفاظ على اللغة العربية والمطالبة باستخدامها كلغة رسمية في المحاكم والإدارات.
أهي طريقة لنفي اتهامات التواطؤ مع الغرب منذ الفترة الصليبية؟ حتماً! فالخشية من نتائج مثل هذه الاتهامات تعود بأصولها إلى القرن الثالث عشر حين ارتكب المماليك بحق المسيحيين اللبنانيين، ولهذا السبب بالذات، سلسلة من المجازر في 1268، 1283، 1305، 1365، هذا إن أردنا ألا نذكر سوى أكثرها وحشية. وقد اضطروا وقتها لأن يلتجئوا إلى الجبال في شمال شرق البلاد حيث صاروا يمارسون عباداتهم في المغاور والكهوف، كما أنهم حافظوا على حذر دائم مشوب بالقلق من الطوائف الدينية الأخرى.
وهل يمكن أن نفسر ذلك الاهتمام الكبير باللغة العربية كوسيلة للمطالبة بموقع شرعي في السياق البشري والديني الذي يعيش المسيحيون اللبنانيون فيه؟ لا شك، فالمسيحيون اللبنانيون لم يتوقفوا يوماً عن التذكير بأنهم سكان البلاد الأصليين وقد أقاموا في المنطقة قبل الفتح الإسلامي. وربما يعود اهتمامهم اللاحق بتطوير هوية ثقافية عربية إلى كونهم قد وجدوا في وحدة السكان الناطقين بالعربية منفذاً يرسخ موقعهم في الوسط المحيط. وليس من قبيل المصادفة أن يكون الزعيمان التاريخيان للحزبين القوميين ذوي الاتجاهات العلمانية في سورية ولبنان مسيحيين: أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي وميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي. والواقع أن نمو التيار القومي ثم الاشتراكي في كل منطقة المشرق في الجزء الأول من القرن العشرين قد بث الطمأنينة لدى المسيحيين لأن ذلك سمح بأن يتم النظر إليهم حسب قناعاتهم السياسية والإيديولوجية وليس حسب انتماءاتهم الدينية. ولقد عرفوا في تلك الفترة حياة هانئة واندمجوا في المجتمعات التي يعيشون فيها، ناسين، أو متناسين أنهم في 1860 قد تعرضوا إلى مذبحة مخيفة لأنهم كانوا مسيحيين.
ومن المفارقة أيضاً أن المسيحيين اللبنانيين الذين حافظوا على حذرهم من الديانات الأخرى لم يتوانوا عن الاقتتال بشكل وحشي فيما بينهم خلال الحرب الأهلية اللبنانية. فقد كانت المليشيات المسلحة التي شكلوها وسلحوها بمختلف الأسلحة تتبادل القذائف وتهدم كل واحدة منها مقرات وأحياء المليشيات المسيحية الأخرى. ولقد ذهب بعض الزعماء العسكريين المسيحيين اللبنانيين إلى حد خطف واغتيال بعض قيادات الأحزاب المسيحية الأخرى (وغالباً ما كان الاغتيال يقضي على العائلة برمتها). هذه الحرب الطاحنة بين الاشقاء الأعداء والتي استمرت حتى 1989 قد سببت شرخاً في صلب الطائفة المسيحية التي كان عليها في الوقت ذاته أن تقاتل الطوائف والأحزاب الأخرى، وعلى مختلف الجبهات. وهكذا في هذا الجو الخانق شهد لبنان هجرة جماعية للمسيحيين مما أدى إلى تقليص نسبتهم ضمن مجمل السكان.
في تلك الفترة نفسها، أي اعتباراً من السبعينات، وبينما كانت الحرب الطائفية والسياسية تمزق لبنان، بدأ الشرق الأوسط يشهد بمجمله هزيمة التيار القومي العربي وتراجعه أمام تنامي وصعود التيار الإسلامي الذي بدأ يتحول تدريجياً وعبر السنوات إلى اصولية متصلبة.
في يومنا هذا، ، ومع ظهور "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) ، بدأت المنطقة تشهد ولادة وحش كاسر يثبت اقدامه بقوة وسرعة بسبب اندلاع واستمرار الحرب الأهلية في سورية . وقد كان لهذه الجماعة المسلحة دورها في خلق تهديد جديد جدي، ليس فقط للمسيحيين الذين شهدوا برعب ما حصل لأشقائهم المسيحيين في الموصل من قتل وبيع في أسواق النخاسة، وإنما أيضاً لمجمل العالم الإسلامي الذي بدأ يرى بصدمة كبيرة كيف صارت صورته تختلط بصورة هؤلاء المتوحشين الذين لا يتورعون عن القتل وقطع الرؤوس والصلب وتمزيق.
لكن مسيحيو لبنان ما زالوا مع ذلك مختلفين حتى اليوم حول مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، وحول مسألة توريط لبنان في الصراع السوري. وقد ازداد موقفهم وموقف جميع مسيحيي المنطقة هشاشة أكثر من أي وقت مضى. وهناك محاولات لإنقاذ وضعهم بإبقائهم خارج الصراع الشامل الذي يضع المسلمين السنة في مواجهة الشيعة، ونظام الأسد في مواجهة أعدائه، والمملكة العربية السعودية في مواجهة إيران، والولايات المتحدة في مواجهة روسيا.
يفسر ذلك تكاثر الندوات والمؤتمرات والاجتماعات الدينية التي تنعقد اليوم لإيجاد حل ينقذ الوجود المسيحي ويؤمن بقاءه في المنطقة.
والواقع أن تجربة الحرب المريرة، والمذابح التي ضربت الطائفة المسيحية اللبنانية قد فتحت الطريق أمام محاولات لمعالجة مسألة وجود المسيحيين من زاوية الترويج لفكرة المواطنة والدولة المدنية وتطبيق العلمانية في لبنان من خلال إلغاء الطائفية السياسية التي نص عليها اتفاق الطائف في 1989. ولا بد هنا من الإشارة إلى الكتاب الهام الذي كتبه بهذا الشأن أنطوان فليفل* وفيه يعرض التيار الشجاع الذي أطلقه بعض المفكرين اللبنانيين، وبعض المرجعيات الدينية المسيحية اللبنانية التي يقسمها فليفل إلى مجموعتين: الأولى يمثلها ميشال حايك (1928-2005) والأب يواكيم مبارك (1924-1995) والمطران جورج خضر (1924-)، وهؤلاء يدعون إلى علمانية لا تفترض تغيير النظام الديني؛ في حين أن المجموعة الثانية التي يمثلها المطران غريغوار حداد (1924-) ومشير عون (1964-) تدعو إلى استبدال النظام الديني بنظام علماني.
هل يمكن أن تكون العلمانية هي الحل؟ بدون أدنى شكل، ليس فقط للمسيحيين اللبنانيين وإنما لمجمل شعوب الشرق الأوسط المتفجر الذي كان مهداً للديانات الثلاثة التوحيدية وللحضارات، والذي يُخشى أن يتحول في المستقبل القريب إلى مجرد مقبرة واسعة وإلى كومة مرعبة من الأطلال.
(*) أنطوان فليفل، العلمانية والمطالبات بالمواطنة لدى مسيحيو المشرق، الحالة اللبنانية: آفاق مستقبلية وتفكير، 2013 منشورات لوفر دوريان.
Lire aussi