الفنون البصرية

فرنسا

Alifbata دار نشر في مرسيليا كرّست خدماتها للقصص المصورة المتسلسلة (كوميكس)

7 فبراير 2022

منذ عام 2012 تقوم دار النشر غير الربحية Alifbata ومقرّها مرسيليا بنشر قصص مصورة متسلسلة (كوميكس) مكتوبة باللغة العربية ومُترجمة إلى الفرنسية. وقد لجأت إلى هذه الطريقة من أجل تعريف الجمهور الفرانكوفوني بغنى الإنتاج الفني في شمال افريقيا والشرق الأوسط حسب الشرح الذي تقدمه لنا سيمونا غابرييلي، وهي واحدة من الشركاء الذين أسّسوا الدار. وقد التقت بها باب المد.

بعد أن درست سيمونا غابرييلي علم اللغة وعلوم الإسلام في جامعة بولونيا بإيطاليا، استقرت في فرنسا. تلى ذلك اكتشافها للقصص المصورة المتسلسلة (كوميكس) كوسيلة من أجل معالجة مواضيع تاريخية واجتماعية أو سياسية، وعلى الأخص كتاب جاك فيرنانديز "دفاتر الشرق". ومن وقتها، لم تتوقف لدى هذه المرأة الشغوفة باللغة العربية وبالكوميكس الرغبة بجعل الجمهور الفرانكوفوني يكتشف غنى النتاج الفني في شمال افريقيا والشرق الأوسط، وذلك عبر دار النشر غير الربحية التي تقع في مرسيليا واسمها Alifbata.

سيمونا غابرييلي, واحدة من الشركاء Alifbata دار نشر

سيمونا، هل يمكن لك أن تعودي بنا إلى الطريق الذي مشيتِ فيه، وأن تروي لنا كيف ولد اهتمامك بالكوميكس العربي؟

أثناء كتابتي للبحث الذي أردت تقديمه للحصول على شهادة الميتريز في عام 2004، رحت أهتم بصورة الإسلام في فرنسا من عدة وجهات نظر. بعد ذلك، وبسرعة، ظهرت مسألة اللغة أمامي كأمر أساسي، وأردت أن أتبحر أكثر في مكانة اللغة العربية كلغة أجنبية في فرنسا، وعلى الأخص اللغة العربية المغاربية. أثناء بحثي، وقعت على عدة ألبومات للقصص المصورة المتسلسلة (كوميكس) وكذلك للروايات المصورة، فاكتشفت أنها تمثل أدوات رائعة لنقل المعرفة، وفي الوقت نفسه تبقى بسيطة وبمتناول الجميع.

 

كيف وصلتِ إلى مرسيليا؟

أتيت إلى مرسيليا لأتبع دورة تدريبية ضمن القسم الإقليمي للتوثيق التربوي حيث كنت أعمل على كيفية تدريس العلاقة بين الثقافات تربوياً من خلال مشاريع موجّهة للمدرسين. وكما هو مُتوقع، وقعتُ في غرام هذه المدينة التي لم أتركها بعد ذلك ولمدة خمس عشر سنة! مرسيليا تمتلك أيضاً أرضية  ثرية موائمة للجمعيات غير الربحية، ولذلك أطلقت فيها مشاريعي الأولى مع مؤسسات مدرسية رائدة حول الحكايات والخط العربي التزييني، وكان الدليل الذي يقودني دائماً هو الرغبة في إبراز قيمة اللغة العربية التي تُعتبر اللغة الأم لكثير من سكان وساكنات مرسيليا.

 

كيف نشأت جمعية Alifbata؟

 لقد شاركتُ في تأسيس الجمعية في عام 2012. وكنا كلنا مدفوعين بالرغبة في نقل العلاقة بين الثقافات. بعد ذلك ولد لدينا أول مشرع للكوميكس في عام 2015 مع "لبن ومربى" الذي قدّمته الرسّامة اللبنانية لينا مرهج. في تلك الفترة كنت قد حصلتُ على منحة من أجل ترجمة العمل إلى الفرنسية، وكانت نيّتي أن أقترح ذلك العمل على دور نشر. لكنني سرعان ما قلت لنفسي، لماذا لا ننشره نحن؟ وهكذا ولدت Alifbata التي صارت مشروع نشر يحتوي الآن على عشرة أعمال منشورة.

Alifbata دار نشر

ما هي الخطوط التي تقودك في عملك اليوم؟

Alifbata هي خليط من عدة رغبات: الرغبة في الترجمة من اللغة العربية وفي إغناء تدفق الإنتاج الذي يبقى مع ذلك ضعيفاً جداً، وكذلك الرغبة في فتح الباب أمام مسائل صعبة (اجتماعية وتاريخية ...) وذلك بفضل نوع أدبي لديه هذه القدرة بالذات وهو الكوميكس. الأدب الذي يأتي من البلاد العربية مكتوباً بالفرنسية أو الانجليزية يستهدف بشكل أساسي جمهور السوق العالمية. أما حين تقوم بترجمة الأعمال عن العربية فإن ذلك يتيح الوصول إلى سردية ليست مصممة بالأصل من أجل الغربيين، وهذا يسمح بالانفتاح على أفق جديدة.

 

ما هي ملاحظاتك حول تطور الكوميكس في البلاد العربية في هذه السنوات الأخيرة؟

لقد كانت هناك فورة في إنتاج الكوميكس بدأت مع ثورات الربيع العربي. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الرائد في هذا المجال يظل التجمّع اللبناني سمندلSamandal الذي ولد في عام 2007. بعد ذلك صار لجميع العواصم في البلدان الأخرى تجمعاتها التي تنشر كتباً بأعداد قليلة تستهدف نخباً من القراء وتقترح قصصاً مصوّرة بأسعار رخيصة مثل TokTok  في القاهرة. بالنسبة لهؤلاء، يكون التحدي الأكبر هو بناء قاعدة من القراء الدائمين من بين البالغين، فصحيح أن الكوميكس موجود منذ فترة طويلة في هذه المنطقة، إلا أنه يتم النظر إليه قبل كل شيء على أنه نوع مخصّص للأطفال، ولم ينل بعد مكانته الشرعية. بالتوازي مع ذلك، لا يوجد فعلياً ناشرون يريدون الانطلاق في نشر الكوميكس لأن سوقه محفوفة بالمخاطر بسبب الكلفة العالية وقلّة القراء، وتلك تصبح بالتالي حلقة مُفرغة.

 

في هذا السياق، كيف يصبح رسامو الكوميكس معروفين؟

في الشرق الأوسط هناك من بين رسامي الكوميكس من يعمل في رسم الرسوم التوضيحية للكتب المخصّصة للأطفال. فيما عدا ذلك فإن معظم هؤلاء يتعاونون مع جمعيات تعمل في مجال التصميم الغرافيكي ووسائل الاتصال. الشيء الإيجابي هو أنه بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الأخص انستاغرام، استطاع إنتاجهم أن يتنقل على الشبكة وينتشر في العالم بأسره، وهو ما لا يسمح به الكتاب الورقي بسبب حاجز اللغة والأسعار، وصعوبة التوزيع في الخارج. إن الانترنت تتحدى الحدود، وكذلك تتحدى الرقابة، وفي هذا حرية كبيرة. لقد سمحت الانترنت بالربط بين المؤلفين والمؤلفات وبتوليد تضامن كبير فيما بينهم، وكذلك سمحت بتبادل الخبرات بين الذين يعملون في المجال نفسه. 

© Alifbata دار نشر

ما هو الموقف الذي تتخذه سلطات البلاد في جنوب البحر المتوسط من الكوميكس؟

لست أعرف التشريعات بالتفصيل، كما أن السياقات مختلفة جداً بين الدول، بالإضافة لوجود كمية لا يستهان بها من الاعتباطية. في لبنان على سبيل المثال لا توجد رقابة مُسبقة من قبل السلطات، لكن كل الناس يستطيعون تقديم شكوى فيما لو اعتبروا أن المضمون ينتهك الأخلاق الحميدة أو يمسّ بالدين على سبيل المثال. وهذا ما حصل مع سمندل التي واجهت دعوى مرفوعة عليها بسبب رسوم اعتُبرت تكفيرية. كان رد سمندل هو تخصيص عدد كامل للجنس قامت دار Alifabata بنشره في مرسيليا، وبعدها تمّ حمله بالحقائب وتوزيعه بشكل غير رسمي في لبنان. في حواراتي مع المؤلفين سمعتهم في كثير من الأوقات يقولون أن السلطات  لا تلقي بالاً إلى الكوميكس فعلياً لأنه بمجرد أن يروا رسوماً يتصورون بشكل أوتوماتيكي أن المضامين موجهة للأطفال، وبالتالي لا يأخذونها محمل الجد. وهكذا تظل شرائط الرسوم المتسلسلة في الأماكن الخفية. إنها ما تزال بمثابة مزحة.

 

ما هي برأيك الفروق الواضحة بين ما يُنتج في المغرب وما يُنتج في الشرق الأدنى؟

في مصر هناك تقاليد قديمة للرسوم في الصحافة وللرسوم المخصصة للأطفال، والتالي يوجد فيها إرث غرافيكي وبصري هام؛ في حين أننا نجد في لبنان ثقافة راسخة للكتاب. بيروت تظل العاصمة التاريخية للنشر، وهي تمتلك سوقاً أكثر تنظيماً. تختلف الأمور في المغرب حيث نجد تأثيراً كبيراً للتلفزيون وبشكل خاص لثقافة الرسوم المتحركة (مانغا). يتجلى ذلك في إنتاج رسامي كتب الأطفال من الشباب الجزائريين والمغاربة، والذين انطلقوا بعدها في مجال الرسوم المتحركة للتلفزيون. لا بل أن إحدى دور نشر الكومكيكس النادرة والتي تقدم نتاجها بشكل دائم (بالفرنسية وبالعربية) وتسير بشكل جيد هي Z-Link  ، التي تقدم الرسوم المتحركة الجزائرية (مانغا) للتلفزيون. وكما هو الحال في كثير من البلاد، نجد هوساُ لدى الشباب بثقافة المانغا. أما فيما يتعلق بالتعليم والإعداد الذي يلعب دوره في انبثاق مواهب جديدة، وفي إضفاء صفة الاحتراف على تلك المهن، فيمكن أن نذكر أنه في لبنان تقوم أكاديمية الفنون الجميلة في بيروت بتأهيل رسامي الكوميكس، وأن المعهد الوطني للفنون الجميلة في تطوان لديه أيضاً منهاج يعدّ الطلاب للعمل في هذا المجال.

 

ضمن هذه النتاجات، هل توجد مواضيع محدد تفرض نفسها؟

أنا أكثر دراية بما يحصل في السياق اللبناني والذي يظل الأكثر أهمية من ناحية الحجم في يومنا هذا. ما نلاحظه بشكل واضح لدى الجيل الأول من المؤلفين في لبنان هو وجود الحرب الأهلية التي تهيمن على المواضيع مع تساؤلات حول الهوية. صورة المجتمع في هذه الأعمال سياسية جداً، كما أن العلاقة دائمة ببيروت وبذاكرة هذه المدينة المدمّرة. الجيل الجديد يأخذ مسافة أكبر تجاه الحرب التي يتم التطرق إليها عبر شخصيات الأهل؛ كما أن القصص في أعمال الشباب شخصية ولها طابع السيرة الذاتية. الكوميكس المغربي يتبدى عبر تاريخه كموضوع سياسي. أول عمل من هذا النوع أصدره عبد العزيز مريد في عام 2000 بعنوان "يتم تجويع الجرذان"، وفيه يصف ظروف اعتقال السجناء السياسيين. ما يثير الاهتمام في الكوميكس هو أنه يحرر الكلام. لقد صار المساحة التي تسمح لأصحابها أن يقولوا ما يريدون قوله، وبلهجاتهم المحلية. 

 

© Alifbata دار نشر

بالمناسبة، ما هي مكانة اللغة العربية -أو لنقل اللغات العربية- في كل هذا؟

بالنسبة لي هذا العنصر أساسي لأن الكوميكس يرسم علاقة مع اللغة الشفهية. لكن الشفهية تبقى مع ذلك سلاحاً ذا حدين لأنها تحصر النتائج بجمهور وطني. هذا المعيار يجعلنا نتساءل عن شرعية الكلام عن وجود "كوميكس عربي"، في غياب لغة مشتركة حقيقية. هذه التساؤلات تنبع فعلياً من الرسامين والرسامات أنفسهم. فحين يتعلق الأمر بألبومات كُتب الحوار فيها بالعربية المغاربية، يكون من الضروري طرح مسألة الترجمة إلى العربية الفصحى التي تسمح بتصدير العمل إلى جميع المناطق، لكن الكلفة الإضافية التي تنجم عن ذلك وغياب التأكد من وجود قراء يعقّد الأشياء بشكل كبير. برأيي أن الشرط الذي يجب أن يتوفر لكي نجعل الكوميكس يتواجد على مستوى عابر للوطنيات العربية هو إيجاد ناشرين شركاء في البلاد الأخرى.

 

كيف تصفين مكانة النساء في كوميكس العالم العربي؟

لا شك في أن المرأة موجودة بشكل كبير ضمن هذه الوفرة من إنتاج الكوميكس. إنها فاعلة من الدرجة الأولى وتلعب بالفعل دور المحرّك في التجمّعات. على سبيل المثال يمكن أن نذكر من النساء في هذا المجال لينا مرهج من سمندل، ونهى حبيّب وعبير غاسمي من تجمّع  Lab619  في تونس، أو أيضاً دليلة نجم، الناشرة ومنظِّمة مهرجان الكوميكس في الجزائر. لا بد هنا أن نذكر أن المرأة موجودة أيضاً من جهة التأهيل والتدريب: هناك مثلاً ميشيل ستاندجوفسكي التي تدير قسم تعليم الكوميكس في المعهد الوطني للفنون الجميلة في بيروت. وهناك في الجامعة الأميركية ببيروت لينا غيبة التي تقود مشروعاً للبحث في الكوميكس العربي وإبراز قيمته (مبادرة معتز & رندة صواف للكوميكس العربي) والذي يمنح في كل سنة جائزة Prix Mahmoud Kahil  لأفضل من يعمل في مجال الكوميكس.

 

© Alifbata دار نشر

ومن جهة الإنتاج؟

من جهة المضامين، نلاحظ أن المرأة كمؤلفة تطرح نفسها ضمن الأعمال التي تقدّمها، وتكون إما هي نفسها البطلة فيها، أو تقوم باختيار شخصيات نسائية. وهي تتطرق للتساؤلات الحميمة أو السياسية التي تتعلق بالمساواة الجندرية والعلاقة بالجسد وبالجنس. في مصر هناك Shak Magiyah، وهي مجلة تطرح نفسها على أنها نسوية وتعالج مواضيع مرتبطة بالنساء وبالمساواة في الحقوق، وبالعنف المتأسس على الجندر، كما تستقبل أعمال المؤلفين من الجنسين. هناك أيضاً المغربية Zainab Fasiki  التي نشرت كتاباً يشبه دليلاً للتربية الجنسية اسمه "حشومة"، لكنه أقرب إلى الرسوم التوضيحية منه إلى الكوميكس الصرف. وفي حين نجد أن ناشر هذا العمل فرنسي (دار نشر ماسو Massot) فإنني أظن أن الأهمية كان يمكن أن تكون أكبر لو نُشر باللغة الدارجة في المغرب. لكن ربما يخاف الناشرون المحليون من خوض مثل هذه المغامرة.

 

في النهاية ما هي آخر الأخبار اليوم وما هي التحديات في وجه تطور دار النشر؟

لقد نشرنا لتوّنا رواية غرافيكية لسيف الدين نيشي تستعيد أحداث انتفاضة الخبز في تونس: "ثورة تونسية، أسطورة شبياه”. وبشكل عام أنا مضطرة لأن أفتح كاتالوغ دار النشر على تجارب أخرى لأننا إذا ما اقتصرنا على نشر المؤلفين المنحدرين من العالم العربي فلن يكون لدينا إنتاج كاف. والواقع أن بعض المؤلفين، وعلى الأخص اللبنانيين، صاروا معروفين وبدأوا ينشرون في بيوت النشر الكبيرة المختصة بالكوميكس. وبالتالي صار يجب علينا أن نكتشف وجوهاً صاعدة، وأن ننتج مشاريع جديدة. إقامات الفنانين تعطيني هذه الفرصة. لقد حصلنا على تمويل من منطقة سود - بروفانس آلب كوت دازور  من أجل تنظيم إقامة للمؤلفة آن ليز فيردييه التي سوف تقوم بإعداد عمل إسمه "سيدات الفراولة، أصابع الجنيات" (تم نشره في المغرب)، وهو في الأصل تحقيق سوسيولوجي حول العاملات الزراعيات الموسميات المغربيات اللواتي تعملن في جنوب اسبانيا.

 

© Alifbata دار نشر

في إطار ندوة "العالم العربي في الكوميكس الفرانكوفوني" والتي ستقام في يوم الجمعة 18 فبراير في كوليج دو فرانس بمدينة باريس، ستقوم سيمونا غابرييلي بإدارة الحوار في المائدة المستديرة المخصّصة لموضوع "رسم المنفى والثقافة المزدوجة". لمزيد من المعلومات sur le site de l'Iremmo.