النساء

الجزائر

الجزائر. سوق الإغراء المزدهر. تحت الحجاب تكمن المرأة

20 أكتوبر 2021

 

لم يعد الحجاب مرادفاً للملابس المحتشمة التي تمحو معالم الأنوثة تحت الأقمشة السوداء. هناك فقط عدد قليل من المتعصبات اللواتي ما زلن يعرضن بشكل واضح البرقع والقفازات السوداء. أما الحجاب الكامل الذي تم منعه في الأماكن العامة في عام 2018 ، فلم ينل أبداً إعجاب الجزائريات اللواتي تفضلن عليه حجاب "لايت" أقل صرامة.

 

لقد ولّت الأيام التي كانت تتم فيها مقارنة الجزائريات المحجّبات بـ "سيارة بيجو 404  المغلّفة" أو بـ "أكياس القمامة".

 

لم يعد الحجاب مرادفاً للملابس المحتشمة التي تمحو معالم الأنوثة تحت الأقمشة السوداء. هناك فقط عدد قليل من المتعصّبات اللواتي ما زلن يعرضن بشكل واضح البرقع والقفازات السوداء. أما الحجاب الكامل الذي تم منعه في الأماكن العامة في عام 2018 ، فلم ينل أبداً إعجاب الجزائريات اللواتي تفضلن عليه حجاب "لايت" أقل صرامة.  ولقد صارت هناك حرية أكبر في  شكل الزي الإسلامي في الأماكن العامة، واقتصر في بعض الأحيان على وشاح يغطي شعر النساء الشابات اللواتي ترتدين أزياء "غربية".

 

.بنطال ضيق من الأعلى إلى الأسفل وحذاء رياضي. ماكياج ورموش اصطناعية وطلاء أظافر، كل المكوّنات الضرورية لخلطة الغواية التي نراها في جميع مدن العالم تقريباً.

 

لم تعد الجزائريات ترغبن بالتشبه بـ "الأشباح"، وصرن يلنّ أنوثتهنّ بدون عقد. ازدراء الحجاب الإسلامي المتشدّد هذا لا يعجب جميع الناس، لكن الأصوات المعادية لم تعد قوية بما يكفي لتغطية أصوات النساء المؤثرات ونجمات التلفزيون في الشرق الأوسط.

 

الحجابيستا -وهي كلمة منحوتة يتم إطلاقها على الفاشينيستات اللواتي ترتدين الحجاب- صرن اليوم يفرضن توجهات الموضة. وفي الجزائر صار للمدوّنات المجبات الكثيرات آلاف المتابعين والمتابعات.

أحلام، ١٥ ألف متابع

 

تعليمات في مواضيع الجمال، ونصائح من أجل الغواية، والحجاب نفسه صار بين أيدي المدوّنات يكتسب أساليب متنوعة تتراوح بين أكثرها كلاسيكية وأكثرها إغراء. كما أن الماركات المعروفة وبعض الأسماء الشهيرة في عالم الخياطة الراقية العالمية قد سمحت للحجاب أن يظهر على منصّات عروض الأزياء، في حين راحت الشتائم والتهديدات تذكّر هؤلاء المدوّنات الشابات بشكل يومي أن الخروج من قالب المرأة المحجّبة الصامتة والممحية لا يتم دون مخاطر. ومثل بقية النساء، صارت المدوّنات تعرفْن أن وضع الحجاب، حتى ولو كان في أكثر حالاته احتشاماً لم يعد يحميهن من العنف ومن الاعتداءات الجنساوية. بالتالي لا غضاضة أمام المرأة في أن تطلق العنان لأنوثتها وتعتني بصورتها.

 

أما النساء أنفسهن، فرحن يطلقن النكات حول هذا التحول الذي جرى على الحجاب ليصبح لباساً مغرياً فظهر تعبير "اللباس على طريقة روتانا من فوق، وبأسلوب اقرأ من تحت"؛ علماً بأن روتانا هي قناة تلفزيونية عربية ترفيهية تشكّل مذيعاتها المغريات بمكياجهن الثقيل مصدر إلهام لكثير من الصبايا العربيات؛ في حين أن اقرأ هي قناة تلفزيونية مخصصة للقرآن وللمضامين الإسلامية.

 

لقد صارت مستلزمات الجمال المستوردة موجودة في جميع الأسواق وفي عدد متزايد من المحلات. وهناك مواقع للبيع على الانترنت في تركيا أو في السوق المحلي متخصصة بالثياب الداخلية الرقيقة. في الثمانينيات، كان هناك سوق غير رسمي يديره بائعو المهرّبات قد بدأ باستيراد الثياب الداخلية النسائية وجلبها من فرنسا وإيطاليا واسبانيا، لكن سرعان ما تم استبدال هؤلاء بمورّدين أتراك ومصريين وسوريين وحتى أندونيسيين وتايلانديين.

 

لقد كان لصعوبة الحصول على تأشيرات سفر والوضع الأمني في الشرق الأوسط دورهما في إيصال هؤلاء إلى دبي ثم إلى اسطنبول. وقد ازدهرت البازارات المسماة "أسواق دبي" في كل مكان من البلاد؛ ثم شيئاً فشيئاً استطاعت المنتجات التركية  ذات الأسعار المتهاودة أن تحل محل العروضات الأخرى.

لكن مجيء البضائع الصينية غيّر المعطيات بسبب أسعارها المنخفضة وبسبب الكميات الهائلة التي تدفقّت على الأسواق. أما الثياب الداخلية الأوروبية، وهي في معظمها فرنسية، فصارت محصورة بالنساء اللواتي لديهن قدرة على الشراء من المحلات الأنيقة الموجودة في الأحياء الجميلة. هكذا يبدو أن قطّاع ما تحت الحجاب يسير بشكل ممتاز. وللمفارقة، فإن هذه الوفرة في السراويل المكشوفة وحاملات الصدر المزينة بالدانتيل والحجارة البراقة صارت تُعرض في كل مكان في بلد محافظ وشديد الحدة فيما يتعلق

بعفة النساء.

 

مع ذلك فإن الغنج والملابس المثيرة مقبولة بل ويوصى بها داخل الغرف المغلقة في بيوت الزوجية لأن المسلمة تستطيع، بل ويجب عليها أن تعجب زوجها الشرعي ولا أحد غيره، وأن تلعب بكل ما لديها من ألاعيب الإغراء من أجل منعه من أن يبحث عن امرأة أخرى. ذلك هو التفسير المليء بالرياء الذي يعطيه بشكل عام أولئك الذين يستفيدون بشكل أو بآخر من تجارة الثياب الداخلية النسائية. في بداياته كان سوق الإغراء في يد "الأخوان"، بمعنى آخر الرجال الذين ركبوا الموجة الإسلامية لكنهم راحوا يبيعون ثياباً داخلية مغرية وهم يملأون أسماع الزبائن بالاقتباسات الدينية. لقد لعب السياق الاقتصادي الصعب في الوقت الحالي دوره في الترويج للثياب الداخلية التركية ورفعها إلى مصاف عالية ولذا تسمع بائع السراويل الداخلية يقول: " هذا تركي يا أختي وليس صيني".

 

الصورة من غانية خليفي. بائع ثياب داخلية في سوق الأول من مايو، الجزائر

وهكذا فإن جميع محاولات السلطة الأبوية المهيمنة لمحو رغبات المرأة في إثارة الإعجاب والإغراء  تتلاشى وتذوب عندما يتم الكشف عنها تحت الحجاب. وهذه الحرب المستمرة ضد الجسد الأنثوي قد وجدت تعبيراً واضحاً عنها في الحملات الانتخابية التي جرت في هذه السنوات الأخيرة. فمن أجل الانتخابات التشريعية لعام 2021 ، وكما كان الأمر بالنسبة لانتخابات 2017، فإن الأحزاب، ومن بينها تلك التي تعلن انتماءها إلى المعسكر الديموقراطي (حزب جبهة القوى الاشتراكية، وحزب التحالف الوطني الجمهوري) قد وضعت على ملصقاتها صور مرشحات تم تغييّم  قسمات وجوههن.

 

إن جولة في شوارع الجزائر تظهر أن النساء، سواء كنّ محجبات أو لا ، ليست لديهن أية نية في التحول إلى أشباح. وهنّ يرغبن بفرض أنوثتهن المزعجة للغاية على مرأى من الجميع. وما على الشيطان سوى أن ينتظر.