أيدٍ قاسية تقودهن للموت
2016-06-30

نجلاء الفيتوري - ليبيا
فقدت فاطمة زوجها في الحرب، ترك لها خمسة أطفال وهي لم تكمل الثلاثين من عمرها بعد. وجدت نفسها ما بين مطرقة الأرملة وسندان المجتمع، خالية من شهادة أكاديمية تُعينها على دفّة مركبها في مشوارها الطويل. قليلة هي الأيدي الحانية حولها وكثيرة تلك الأيدي القاسية التي لا تَتٌوانى على لف حبل العادات والتقاليد وأسطوانة الدين على رقبتها، وكأنها هي من أشَعل فتيل الحَرب ونصب خيامها ودفن زوجها بين الحوائط المهجورة.
فى ليبيا البندقية حملها ذكور وكذلك القذائف التي أُطلقت، وكراسي السياسة للذكور، وصوامع الجوامع يفُتي وينشر التطرّف فيها ذكور، دقيق المدينة سرقه الذكور.. من خطّط ونهب وحرق ممتلكات الدولة، من انتهك حرمة جسد النساء، من ذبح جاره وطعنه، من زرع الطرقات بالألغام فغدا حصاد الأرواح فيها يشبه الكابوس، من يحَتسي من أكواب الرشاوي، من أوصل والديه بكل قسوة لباب دار المسنين.. من تغاضى عن دمعة يتيم كدموع أطفال فاطمة.
هذه واحدة من آلاف النساء ضَحايا الحرب، كتب القدر المُشين لهنّ طريقاً متعثرة بتبَعات مُنهكة فى وطن ممتدّ على رقْعة كبيْرة يطفْو على نفٌطٍ يتقّاسمه اللصَوص ولا يأبهون بمن حولهَم. وأكثر من يدفع الثمَن فيه بلا رحَمة فاطمة ورفيقاتها وجاراتها وأخواتها في هذا المحيَط المسّكون بالدم والرصَاص.
التعب أنْهك قواهَا، وكلما ظنت أنّها تتَعافَى تجد نفسها وقد رجَعت في دائرة مفَرغة، مكرره بأنّ زوجها الشَهيد لو كان يعلم ما حلّ بها وأبناءها لكان حتما قد تراجع عن التَقدم فى ذلك اليوم العَاصف الممطر. هي مثال على قسوة خنجر المجتمع المغروس فى النساء بلا رحمة، المعتاد في ليبيا حالما يتوفى الزّوج بعد انقضاء ثلاث ليالٍ من مراسِم العزاء بأن يتمّ اصطحاب الزوجة المثكولة بلباس أبيض (الربّاط) إلى منزل عائلتها الّتى خَرجت منه، حيث لم يعد شئ يربطها بالمكان سوى ذكريات طفولة بائسة لتزُف شابّة يافعة إلى بيت الزوجية قبل ان تُكمل تعليمها وأن تعي ما معنى الاعتماد على النفس والاستقلالية. وكيف تقف في طابور المصرف بلا نهاية وهي تحمل أطفالها يشاركونها الذلّ، وكيف تتجنب النظرات الشرهة لعامل المستشفى والتحرش في مصلحة الأحوال المدنية؟ كيف ترعى طفلاً ارتفعت حَراَرتُه وآخر يتضور جُوعاّ؟ وكيف تحتمل أقدام الطفل وهي تتخبط في أحشائها. كم ذرفت من دموع حين علمَت بحَملها.
يمر كل يومٍ تكبر فيه مئة مشكلة لا تجد لحلها سبيلاً، تتفاقم مشاكل الأرامل تحت ركام الحرب. لظاهرة ارتفاع أعداد الأرامل والأيتام أبعادها الاجتماعية والنفسية الخطيرة، فمن يجيب عن أسئلة الصغار؟ من قتل والدهم وكيف قُتل؟ ولماذا لا نسكن في منزل لائق؟ ولما لم نتلقى تعليما معقولا؟ لماذا أحذيتنا متهرئة ؟ لماذا لا ألعاب لدينا؟
لنلعن الحرب، فضّحاياها كل تلك النسّوة اللواتي يقال أن تحت أقدامهن الجنة.. وأي طعم لجنة الآخرة حين لا تتوازن مع جّنة الدنَيا.
22-06-2016
أحلام البدري
Lire aussi
Les protagonistes oubliées de l'émigration italienne, d'hier et d'aujourd'hui
Entre 1861 et 1985, 29 millions d'Italien.ne.s ont quitté notre pays pour fuir la misère ou tenter leur chance ailleurs. Ce sont surtout les hommes qui partaient, tandis que les mères, les sœurs, les épouses et les filles restaient à les attendre. Dans cet exode sans précédent, elles ont joué un rôle fondamental, bien que longtemps minimisé par l'historiographie officielle.
2026-04-19
Comprendre l’islam des origines : croire et savoir dans l’Arabie du VIIe siècle (cycle I. 3)
Comprendre l’Arabie du VIIe siècle suppose de restituer bien plus qu’un cadre géographique ou des structures sociales. C’est entrer dans un monde où les hommes et les femmes ne se contentent pas d’habiter leur environnement : ils cherchent à en saisir les forces, à en interpréter les signes et à s’y orienter. Dans cet univers, croire et savoir ne s’opposent pas. Ils participent d’un même effort pour comprendre un monde exigeant, souvent hostile, mais profondément intelligible pour ceux qui y vivent.
2026-04-19
