Palestine
فلسطين مشيا على الأقدام
2014-10-13
أمشي لأن بلادي صغيرة وهي تضيق بسرعة كبيرة حتى تكاد تتلاشى. هي في تجزئة دائمة حتى أضحت أشلاء متناثرة غير مترابطة أو تجمعها ممرات ضيقة. أمشى حتى أجعلها أكبر. أريد أن أشعر بالأرض تمتد حولي عبر الوديان و الوهاد. أمشى حتى يخيل إلي أن بلادي أوسع و أرحب. أمشي حتى أقضي في عبورها أسابيع. أمشي لألتقط صورا و لأتنفس الهواء النقي و لتلفحني الشمس و لأحس بالحرية و لأصغي إلى أصوات الطبيعة. حين أمشي تصبح البلاد شرفتي و تبدو فلسطين قارة. طبعا أنا أمشي أيضا للمحافظة على لياقتي البدنية. الآن حتى البدو انقطعوا عن المشي. ما من أحد يسير الآن غير الرعاة. أخيرا اجتزت كل فلسطين و لم أرى منهم إلا اثنان هما شابان يجمعان الزعتر و ثلة من الجوالة. كل الآخرين ينتقلون في سياراتهم. في كل بلدة مصلحة لسيارات الأجرة. النساء يستأجرن تاكسي لزيارة صديقة تقطن على بعد شارع واحد. تسألني عن حجم البلدة ؟ الواقع أنها صغيرة جديدة. عدد الدروب بفلسطين قليل. جل الدروب القديمة التي كانت تشق الطبيعة حولت إلى طرق معبدة جعلتها الجرافات بالغة الاتساع دون أي اعتبار لحقول الزيتون أو للوسط الطبيعي. من البديهي أن السيارات تتطلب طرقا. يقول أبو محمود و هو من رام الله مشغلا محرك شاحنته القديمة : ًيمكنني الآن أن أبقى مدة أطول بالمزرعة حتى بعد مغيب الشمس . ً حمار أبو محمود أحيل على المعاش فلا يشتغل إلا متى كانت الشاحنة دون بنزين أو متى كانت البطارية غير مشحونة.
الناس في الشوارع قليلون. البعض على عتبات الأبواب أو في الشرفات أو في زوايا الشوارع يحتسون الشاي أو القهوة أو قوارير الكوكا كولا. المقاهي قليلة في هذه القرى. الكراسي الخشبية المميزة اختفت. و اختفى عباس نادل المقهى. مات. اذكره جيدا بمنديله الأزرق و البرطمة لا تبرح محياه وهو يوزع البن العربي القوي على الشيوخ لاعبي الطرنيب. هذا عصر الأنترنيت. صارت الغلبة لما يسمى ًالشبكات الاجتماعيةً. قد تلتقي أشخاصا فتتبادل معهم بعض الكلمات فيبادرك أحدهم بالسؤال ًهل أنت على الفايس بوك ؟ ً كما لو أنه سألك بالأنجليزية ً هل لك فايس أي وجه ً بلى لي وجه و لي أيضا لسان و أتكلم اللسان العربي و شكلي جميل و يمكنني أن أروي لك ألف حكاية و حكاية. تعال. اجلس حذوي. دع عنك هذه الأدوات الأنيقة. نحن لم نقلع عن المشي فحسب بل أقلعنا عن الكلام أيضا. ما يسميه ًبول سالوميك ً ًالدماغ-الآلةً أسميه ًالدماغ-الهاتف الجوالً.
ما الذي دهانا ؟ لم انقطع الناس عن المشي ؟ ألهذا الحد هو مرهق ؟ هل السير صعب إلى هذا الحد ؟ هل هو خطر ؟ أم أننا في حضر جولان دائم ؟ هل قطع المستعمرون الذين يحيطون بنا من كل جانب كل الشوارع و كل الأودية ؟ هل يخيفون أطفالنا حتى يجب علينا أن نحطاط كل الاحتياط فنمنعهم من إخراج رؤوسهم من الشبابيك ليدوسوا فضاء المستعمر ؟ لماذا اقلعنا عن المشي ؟
الحقيقة المؤسفة أن المشي في فلسطين أمر خطير. ولكنني أستطيع الآن بفضل ًقوقل مابس ً أن أرى حدود المستعمرات اليهودية فأرسم مساري بشكل افتراضي ثم أحفظه في ملف kml ثم أستعمل موقعا مجانيا لتحويله الى ملفgpx أحمله على هاتفي ًاي يفونً. و انتهى الأمر. لم يعد هناك أي خطر. بوسعي الآن الرجوع إلى هاتفي لأعرف أين توجد أقرب مستعمرة و أين تبدأ حدودها فأتحاشاها. كلما عدت بالفريق المصاحب لي سالما معافى إلى محيطه الطبيعي أشكر العناصر الميتافيزيقية.
هيا بنا ! نحن لا نستحق جهاز ًجي بي آسً للرحلة. فهذا المكان صغير جدا. يكفي أن تصعد فوق سطح و أن تجول بنظرك حولك. كل القرى تتلامس , كل الأودية , كل المزارع, هذه مدينة ًسنة ً الأردنية الصغيرة و هذه أبراج تل أبيب و هذه سقوف المستعمرات الحمراء. أجل , ...لا ليس من هنا فقد نحترق... ممنوعة علينا. نحن لا ندخل هنا إلا إذا كنا عمالا , ندخل لإصلاح نافذة أو لبناء مجموعة بيوت. و لكن المشي خطير لأننا استبطنا الأمر. لماذا يخالني الناس مستعمرا يهوديا كلما مررت قرب قرية. لماذا يقولون بالعبرية كلما اعترضتهم : ً السلام. من أين أنت ؟ هل تريد ماءا ؟ً
لماذا فر ذاك الراعي وابنه حالما رأياني ركضا إلى هضبة ًفندقميا ً بخرفانهما الثمانين ؟ أمن أجل تعايشناً السلميً مع اليهود ؟ ألأنني أشبه اليهود و أنا أتجول بمحفظة فوق ظهري مرتديا ًبركاً و حاملا آلة تصوير ًكاننً ؟ مع أنني لا أحمل سلاحا ناريا.
لماذا يؤلمنا المشي ؟ أمن أجل التبثر ؟ أم من أجل ضربات الشمس ؟ أجل الأمر صعب و لا بد من التشبث بما نريد. فلسطيننا كلها هضاب و كل انحدار يليه صعود.
ترجمة جلال الغربي
Lire aussi