Egypt
الرحلة المكوكية في القاهرة
2014-10-13

"كار طاق" تطبيقة بعثت دون نجاح كبير في ماي-أيار وهي تسمح بترتيب السفر المشترك باستعمال سيارة واحدة و ذلك عبر شبكات الصداقة على الفيس بوك. ولكن هذه التطبيقة لم تعرف تزايد عدد تحميلاتها ب20 بالمائة إلا بعد أن ألغت الدولة الدعم عن أسعار المحروقات و بعد أن عرفت أسعار النقل العمومي و التاكسيات ارتفاعا مشطا. أمضى أحمد وهو من باعثي "كار طاق" أشهرا و هو يحاول إقناع المستعملين بمزايا السفر المشترك سواء على مستوى البيئة أو لتفادي التكدس المروري. وهو يقول ضاحكاً في النهاية, المال هو الذي يحدد الأمور .
تمتع المصريون لعهود طويلة بدعم الدولة للمحروقات مما خلق عادات لدى العمال الذين يقومون برحلات مكوكية يوميا. تبرز دراسة أعدتها وكالة"بلومبار" و نشرت هذه السنة أن مصر تحتل المرتبة 58 من جملة 61 بلدا البنزين فيها الأرخص سعرا في العالم.
لقد أثر ارتفاع الأسعار في جميع الناس و لم يقتصر هذا التأثير على 14 بالمائة من المصريين أصحاب السيارات. أغلب الذين يقومون بسفرات مكوكية يتعاملون مع شركات حافلات خاصة أو مع سيارات تاكسي فكان أن أضيف ارتفاع أسعار التذاكر إلى الغلاء التدريجي للمعيشة. فاضطر الناس إلى البحث عن بدائل في متناولهم.
تقييم نجلاء عبد الباري بحي المعادي وتشغل خطة موظفة أرشيف بحي المهندسين وكانت دائما تستعمل السيارة. أما الآن فإنها تركن سيارتها نوع "سكودا" قرب نهاية خط المترو ثم تستقيل المترو ثم سيارة تاكسي. ترى نجلاء أن ذلك لا يمثل الحل الأمثل لانعدام محطة مترو قريبة من مكان عملها و لأن المترو غالبا ما يكون مكتظا في ساعات الذروة. وهي تقر أن" السيارة أكثر رفاهية بالطبعً .و تضيف : المترو بديل مقبول و لكنه يتطلب لباسا خاصا. ثم إن سعر التاكسي تضاعف أو يكاد و سواق التاكسي يرفضون استعمال العداد".
حسب نجلاء عبد الباري ارتفاع أسعار البنزين ليس وحده ما يثقل كاهل المستهلك المصري. فثمة أيضا ارتفاع سعر المرآب و الأدوية و المواد الغذائية. فعليها أن تخفض من نفقاتها. ولكن نظرا لما في المواصلات العمومية من إزعاج ومن تحرش جنسي مستمر قد يتعين عليها بيع السكودا و اقتناء سيارة أقل استهلاكا للطاقة.
محمد مصطفى الذي يقطن بحي مكتظ يرفض مثل نجلاء التخلص من سيارته. يقول: "أنا استعملها للمسافات البعيدة. أنا أكره المواصلات العمومية. ارتفاع أسعار البنزين له انعكاس على مستوى معيشتي و مع ذلك فالسيارة أفضل من النقل العمومي. من المؤكد أنني لم أعد آخذ سيارتي لمجرد فسحة صغيرة."
أما أحمد درغامي الخبير في البيئة و أحد مؤسسي المنظمة غير الحكومية "قرين آرم" فيعتقد أن أسعار البنزين الجديدة تدفع الناس إلى "تغيير طريقة سفرهم أي أنهم سيقللون من تنقلاتهم حسب ما تمليه مدة الرحلة و ثمنها." وهذا التخطيط المسبق للرحلات ذو انعكاسات ايجابية على البيئة لأنه يخفض استعمال الطاقة وعلى العلاقات الاجتماعية إذ أصبح الناس يشتركون في أشياء عدة رغم ما يفقدونه من مرونة التنقل الفردي"
على صفحة "كار بوليينق ايجيبت" نجد تعاليق مثل: من المعادي الى هيليوبوليس ؟ في عشرين دقيقة أو علي التوجه من منيال إلى شمس كلوبً على الساعة 11 . هل من مرافق ؟ أحيانا تبقى النداءات دون إجابة و أحيانا أخرى يقترح أحدهم سفرة من ساحة 6 أكتوبر إلى "ميدان لبنون" على الساعة الثامنة و النصف فيقع الاتفاق.
تضم مجموعة الفايس بوك 500 عضوا مسجلا وقد أنشأها أحمد كريم بعد ارتفاع أسعار البنزين فكانت الفرصة سانحة للتعريف بفكرة السفر المشترك. كريم يمارس مثل هذا السفر منذ زمن فهو يستضيف في سيارته أصدقاءه أو غيرهم في رحلته من هيليوبوليس إلى"سمارت فيلاج" بالزمالك." نحن مجموعة مازالت صغيرة و لكنها تكبر. ارتفاع سعر البنزين ساعدنا كثيرا في ذلك" حسب ما يقر به.
أنشأ كريم مجموعته ذات مساء و من الغد كانت تعد 300 عضوا مسجلا. فقرر عندئذ أن يجعل منها مجموعة خاصة حتى يستطيع التحكم في الشبكة التي تكونت. يتأكد كريم من أي عضو جديد بمراجعة صفحته على الفايس بوك تفاديا لكل مخاطر. والسبب بسيط فالسفر مع شخص مجهول ينظر إليه بعين الريبة في مصر فالأمر غريب عن العرف المصري. أضف إلى ذلك مشكلة التحرش الجنسي بالنساء و هو شائع جدا مما يدفع بالنساء إلى المحافظة على سياراتهن الخاصة إن كانت لهن سيارة. و لا ننسى أن السيارة رمز للمكانة الاجتماعية و أن من يلجأ إلى المواصلات العمومية يكون غالبا مستهجنا.
ومن هنا جاءت فكرة "الباص بولينق" الذي يسمح مقابل 800 جنيه مصري شهريا – وهو مقابل مرتفع – بعدم استعمال السيارة الخاصة مع الحفاظ على بعض الرخاء. رأت "الباص بولينق" النور في ماي-أيار 2013
وتتمثل الفكرة في اكتراء جماعي لحافلة خاصة من قبل مجموعة من الأشخاص يقومون بنفس الرحلة يوميا. وقد شهدت هذه الشركة منعرجا بعد سنة واحدة من تأسيسها بعد رفع الحكومة للدعم عن المحروقات. فتضاعفت بذلك مطالب الكراء الجماعي في ظرف لا يتعدى ثلاثة أسابيع. يؤكد محمد ايهاب أحد مؤسسي "الباص بولينق" أن الناس يريدون الشعور بالأمن مع السفر في رفاهية و يضيف زبائننا من صنف خاص وهم يبتغون خدمات عالية الجودة. ولكن من العسير تغيير عقليات الناس و تقاليدهم. فالاشتراك في المواصلات شيء حديث العهد و الناس يتوجسون دائما خيفة من الغرباء.ً
يعتقد درغامي أنه من الضروري القيام بدراسة السوق لفهم حاجيات الناس و دفعهم إلى تغيير عاداتهم. و من الناس من يرى أن استعمال المواصلات العمومية أجدى من استعمال السيارة الخاصة مثل مصطفى محمود و أحمد محمد اللذان ينتظران القطار ليحملهما إلى محطة كلية البنات بهليوبوليس. فيما مضى كانا يستقلان حافلة صغيرة ثم سيارة تاكسي و لكن المعاليم ارتفعت ارتفاعا مشطا.
"المترو رائع": ثمن الرحلة جنيه واحد مباشرة دون أي تحويل من البيت إلى الشغل عكس الحافلة و ثمنها ضعف المترو مع عدة تحويلات . ويلاحظ محمود أن للمترو مزايا أخرى: "في الماضي كان المرء ينتظر أحيانا أكثر من ساعة. أضف إلى ذلك مشاكل التكدس المروري. المترو أسرع ممل يسمح بالوصول إلى الشغل في الوقت".
ولكن لسوء الحظ فإن من يسكن خارج القاهرة ليس بوسعه التفكير في المترو كحل. يتوجب على محمد علي الذي يعيش بالإسكندرية أن يستقل الحافلة الصغيرة ثم التاكسي رغم ارتفاع الأسعار ب 40 بالمائة فلا حل آخر لديه.
صحيح أن المواصلات العمومية لازالت في متناول عدد كبير من الناس في مصر و لكن درغامي يرى أنه كان من واجب الحكومة الاستثمار في النقل شيئا فشيئا و هو يذكر المثال الكوبي. كوبا التي كانت في وضع مشابه قامت بتحويل عدة مصانع إلى صناعة الحافلات حتى تزيد بسرعة من عددها فيستغنى الناس بذلك عن سياراتهم الخاصة التي أصبحت جد مكلفة. وبنيت مدارس أخرى للتقليل من تنقل الطلاب. أما مصر فتواصل تشييد الطرقات و الجسور لاستيعاب عدد السيارات المتصاعد مع ما في ذلك من استنزاف للأراضي بما يساوي أربعة ملاعب كرة قدم حسب دراسة أعدتها جمعية درغامي.
ولكن يبقى للمصريين بصفة عامة احترازات تجاه المواصلات البديلة مثل الدراجة. محمد المصري وهو عضو بمجموعة "بي سيكليست" الهادفة إلى دعم استعمال الدراجة لا يخفي أن الدراجة لا زالت تعتبر رياضة أو ترفيها رغم ازدياد عدد المشاركين في مبادرات المجموعة بعد النداء الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حث الشعب و خاصة المسنين على استعمال الدراجة كوسيلة نقل من أجل حياة أنقى.
بعد ارتفاع البنزين وزعت مجموعة "بي سيكليست" ملصقات بصور للتظاهرة الأخيرة التي دعمها السيسي تحمل الجملة التالية: "ألم أقل لك استعمل الدراجة ؟" ولكن أنى للدراجة أن تعوض السيارة كوسيلة نقل منتظمة. هدف " بي سيكليست " الأخير أن تبين أن مسافة تقطع في ساعة و نصف لا يدوم أكثر من نصف ساعة بالدراجة.
يقول درغامي أن "استعمال الدراجة يقلل من تلوث الجو و ينفع الصحة" . أصبح الناس أكثر حساسية لمثل هذه الشعارات بسبب ارتفاع أسعار البنزين. المرور من السيارة الخاصة إلى المواصلات العمومية يحدث الآن في العالم كله و خاصة في أوروبا حيث بدأ الناس يهجرون سياراتهم. وليقع نفس الشيء بمصر وجب الكف عن التعريض بمن يستقل المواصلات العمومية. ولعل ارتفاع الأسعار - كما توقع درغامي – يخدم هذه القضية النبيلة.
http://www.madamasr.com
Lire aussi