تونس : الإرهــاب و الانتخـــاب
2014-07-29

هجوم متوقع :
16 جويلية- يونيو الموافق ل17 رمضان ساعة الإفطار في جبل الشعانبي من ولاية القصرين المعلنة منطقة عسكرية مغلقة. تتعرض نقطتان للجيش التونسي إلى هجوم مباغت و قوي شنه حوالي 60 إرهابيا مسلحين بالكلاشنكوف و بقذائف الأربي جي . فكانت الحصيلة ثقيلة صدمت تونس و أثارت سخط التونسيين و غضبهم و كان أول من احتج أهالي القصرين الذين خرجوا متوعدين الارهابيين. وازداد حنق التونسيين لما سمعوا أن بعض السلفيين ابتهجوا لما حدث و سجد بعضهم سجود الشكر. هكذا أحيا الإرهابيون ذكرى غزوة بدر في 17 رمضان مخلفين 15 قتيلا و 23 جريحا في حين لم يخسروا إلا إرهابيا واحدا عمره دون العشرين. الكثيرون ماتوا متفحمين و تطلب التعرف على الجثث أياما طويلة و يذكر أن مثل هذا الهجوم كان متوقعا فالمخابرات التونسية استعادت نجاعتها المعروفة وهي مدعومة بالاستخبارات الصديقة و تعمل في تعاون وثيق مع الاستعلامات الجزائرية. أضف إلى ذلك أن الإرهابيين ضربوا في نفس المكان وفي الزمان بعينه في رمضان الفارط حيث قاموا بقتل 8 عسكريين ونكلوا بهم تنكيلا. وتمثل الرد الشعبي في خروج مسيرات شعبية منددة بالإرهاب و متضامنة مع الجيش الذي حمى الثورة في جانفي- يناير 2011. فيما كان رد الحكومة حازما فأسست خلية أزمة كان من قراراتها إيقاف الأشخاص الذين تظاهروا تضامنا مع الإرهابيين و غلق بعض المساجد التي أصبحت منابر للإرهاب و حل الجمعيات المتورطة في تمويل الإرهاب وإن رحبت أغلبية التونسيين بهذه الإجراءات فإن الأوساط السلفية انتقدتها و لكن يبدو أن الحكومة لن تتراجع و يبدو أن زمن التساهل مع السلفية قد ولى دون رجعة حتى بالنسبة لحركة النهضة التي كان زعيمها يرى فيهم حركة ًًتبشر بثقافة جديدةً . الآن بات واضحا أن التونسيين يرفضون ثقافة الموت الجديدة هذه و بات واضحا أن حركة النهضة التي تنظر بشره للمواعيد الانتخابية القادمة غير مستعدة لدفع ثمن سياسي لأي قرابة مع السلفيين فقد دفعت الثمن غاليا بعد هجوم السلفيين على السفارة الأمريكية في 14 جانفي 2012 الذي شجبه التونسيون و استنكروه فضلا عن الاغتيالات السياسية و في صفوف الأمنيين مما لم تتعود عليه تونس. ولذلك كانت جنازات العسكريين أشبه بالمسيرات الشعبية رفعت فيها الأعلام و أطلقت فيها الزغاريد لتحية الشهداء و اختلطت فيها الشعارات المنددة بالإرهاب و المساندة للمؤسسة العسكرية و الأمنية و الداعية إلى اجتثاث الفكر التكفيري. و عاضدت وسائل الأعلام هذا الموقف كما أجمعت المواقف السياسية على استنكار الإرهاب ووقف المجتمع المدني وقفة الرجل الواحد. و لا تخفى أهمية المجتمع المدني في تونس فهو الذي أطاح بحكم حركة النهضة و رسم معالم الفترة الانتقالية المتبقية.
الأبعاد الجيوستراتيجية :
سياسيا يجمع التونسيون على نقاط عدة أهمها أن الهجمة الجهادية تندرج في إطار إقليمي و دولي أي أنها ليست نتاجا محليا و هو إلى الآن منحصر في تخوم البلاد الشرقية.
الجغرافية كفيلة بفضح خبايا الإرهاب: السلاح و التدريب يأتي من الحدود الشرقية ولكن مسرح الأحداث يقع على الحدود الغربية أي الحدود مع الجزائر. دون الوقوع في نظرية المؤامرة يمكن القول أن العديد من المحللين و الملاحظين يعتبر أن الجزائر هي المستهدفة. ممولو الإرهاب يغدقون الأموال الطائلة للإيقاع بالجزائر. ويبدو أن القوة المادية هي أكبر نقاط القوة لدى الإرهابيين فربما دفعوا 20 أورو مقابل رغيف خبز واحد أي ضعف ثمنه مائتي مرة.
بعد ثلاثة أيام من الهجمة التي تعرض لها الجيش التونسي جدت أحداث مماثلة في مصر والغريب أن التشابه في الحادثين لم يسترعي انتباه الكثير من الملاحظين. في يوم 19 جويلية- يونيو قامت مجموعة مسلحة بمهاجمة قوات عسكرية مصرية متمركزة بواحة الفرافرة جنوب غرب مصر أي باتجاه الحدود الليبية و أسفر الهجوم عن مقتل 22 عسكريا وقد استعمل الإرهابيون قذائف الأر بي جي و الكلاشنكوف أي نفس الأسلحة التي استعملت بجبل الشعانبي. مما يؤكد إن وٌجد مجال للشك أن الإرهاب يأتمر بأوامر إقليمية لا تستهدف تونس دون سواها و مع ذلك فإن للإرهاب أجندة خاصة بتونس.
الأبعاد الداخلية :
على الصعيد الداخلي يسعى الإرهابيون إلى إفشال الاستحقاقات الانتخابية القادمة التي ستضع حدا للفترة الانتقالية و تدخل البلاد في فترة استقرار وديمقراطية. كل الأحزاب تنتظر الاستحقاقات التشريعية التي ستجرى انتخاباتها يوم 26 أكتوبر – تشرين الأول في حين يقع الاقتراع للانتخابات الرئاسية يوم 23 نوفمبر- تشرين الثاني و معلوم أن التكفيريين يكفرون بالانتخابات و سيعملون على التشويش عليها .كل شيء يشير إلى أن التونسيين تنبهوا للأمر فكان ردهم أن أقبلوا أفواجا على تسجيل أسمائهم في القائمات الانتخابية بعد أن كانوا عازفين عن ذلك معرضين عنه. على الصعيد السياسي يرى التونسيون ضرورة دعم القدرات العسكرية و الأمنية للبلاد بعد سنوات طويلة فضلت فيها بناء المدارس و المستشفيات على اقتناء العتاد الحربي. اليوم تٌفرض الحرب على تونس و هي تسعى إلى دخولها بعقلانية دون المس بحقوق الإنسان و بتوفير كل الضمانات لنصر ساحق. سيمضي التونسيون إلى الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية و هم يرون في التماهي مع الإرهاب شرطا للتغلب عليه فلما كان للإرهاب بعد إقليمي وجبت مقارعته إقليميا بالتنسيق مع البلدان التي تعاني منه و خاصة مع الجزائر التي تكتسي العلاقات معها بعدا استراتيجيا يدعمه عمق شعبي كبير تغذيه الذاكرة و المستقبل. من حسن حظ تونس أن الجزائر لم تقع في الربيع العربي فجنبت نفسها ويلات كبيرة و جنبت الدولة التونسية الانهيار مع ما يتضمنه ذلك من عواقب وخيمة على المنطقة بأكملها. سبق للجزائر أن اكتوت بنار الإرهاب و حصلت لها تجربة و دراية عميقة بمواجهته و تسعى تونس إلى الاستفادة من القدرات الجزائرية. لا تخفى الدوائر الأمنية في البلدين أن التنسيق بينهما بلغ مراتب لم يبلغها إلا أيام مقاومة الاستعمار, وفي هذا الإطار تندرج الزيارة الأخيرة للوزير الأول السيد المهدي جمعة الذي يحضى بتقدير كبير في الجزائر إلى تبسة على بعد 40 كيلوميتر من الحدود بدعوة من زميله السيد عبد الملك سلال و إن لم ترشح معلومات دقيقة عن فحوى جلسة العمل التي جمعتهما فمن المعلوم أن الوزيرين الأولين تطرقا إلى المسائل الأمنية قبل كل شيء و إلى التنسيق العسكري و الأمني في ضل التحديات الإقليمية و من المعروف أن الرجلين يمسكان بزمام الأمور كل في بلده فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة أصبح طاعنا في السن و الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي له مكانة شكلية و هو إلى ذلك ليس الشخصية المفضلة في الجزائر.
على المستوى الداخلي تضاعفت حملات الإيقاف في الأوساط التكفيرية و أظهرت وزارة الداخلية نجاعة و حرفية مكنتها من إحباط العديد من العمليات الإرهابية و تعود هذه النجاعة إلى سببين إثنين أولهما أن المؤسسة الأمنية استعادت عافيتها و ثانيهما أن المواطنين متعاونون تعاونا تاما مع الأجهزة الأمنية.
ويستشف مما سبق أن تونس و إن كانت تتوقع ضربات أخرى تقف متحدة رغم كل الاختلافات ورغم كل الشوائب وهي تستعد للانتخابات التي ترى فيها ردا على الإرهاب الرافض لها و الحالم بوهم دولة الخلافة.
Lire aussi