موت عرفات في خريف عامي الثلاثين | babelmed
موت عرفات في خريف عامي الثلاثين Imprimer
babelmed   
  موت عرفات في خريف عامي الثلاثين | babelmed لقد توفي ياسر عرفات. ولقد خصصت له صحيفة مترو "Metro" التي توزع مجاناً في محطات القطار الأرضي في لندن الكبرى، نصف صفحة، لشدة استغرابي، لم يحتفل كاتبها، ولو سراً، بموت عرفات.
ويقول كاتب المقالة، من بين بقية ما يقول، بأنه التقى بعرفات قبل شهرين من وفاته.
عرفات. في الواقع أنا رأيت العديد من الصور له. أحياناً كملصقات في الشوارع والأماكن العامة، وأحياناً إلى جانب شخص ما ذهب لمصافحته، كصرّافي في القدس وصانع البراويز في رام الله. كما أنني تعرفت إلى شخص يكرس أطروحته الدكتوراة منذ أعوام في تحليل خطابات عرفات، أو بالأصح، تحليل خطابه الذي ألقاه أمام مجلس الأمم المتحدة في العام ؟؟؟. أجل ومرة، قبل ستة أعوام تقريباً، مرّ موكبه الخاص من أمام منزل شقيقتي في شارع نزلة البريد في رام الله، وهو الشارع الوحيد في المدينة الذي ما زالت أشجار القيقب تظلله بشكل فاحش. كانت الشرطة قد مرّت قبلها وأخلت المنطقة من حركة السير، فعرفنا عندها بأن عرفات سيمر من هنا. ومنذ تلك اللحظة لم تفارق شقيقتي بوابة الحديقة المؤدية إلى الشارع، لكي تراه. أنا بطبيعة الحال بقيت جالسة في نهاية الحديقة تحت شجرة الأكادنيا، أستمتع بالضوء القليل المتسرب من بين أوراقها الكبيرة والكثيفة، إلى أن سمعت فجأة صفارات موكبه تقترب. أدرت رأسي باتجاهها، إلا أن أوراق الأكادنيا والقيقب لم تمكني من رؤية أي شيء. عندها تسمرت في مكاني، تحت وطأة شديدة من الحيرة: هل أركض إلى البوابة لكي أراه أو أبقى في مقعدي؟ ثم لحظة انحنيت لأتخطى أغصان الشجرة، سمعت شقيقتي تصرخ فرحاً: "لقد لوّح لي. عرفات. لقد لوّح لي. وأنا لوّحت له". كان يفصل بينها وبيني ما يقارب الخمسة عشر متراً، وحين فسحت الأغصان الرؤية أمامي تماما، كان الموكب قد اختفى. نجحت فقط برؤية الحرس الذي كان يرافقه على الدراجات النارية في المؤخرة. وبينما راحت شقيقتي تقفز فرحاً كالأطفال، هرع إليها زوجها يعانقها مردداً: "حسناً فعلت. حسناً فعلت"، وهي لا تزال تصرخ: "لقد لوّح لي". أنا أول الأمر شككت في الموضوع، وحين لم أعد أنجح بذلك أكثر، قلت لها أنه هو أساساً يلوح دائماً للناس.
كانت إذاً تلك أكثر اللحظات قرباً وحميمية مع عرفات موت عرفات في خريف عامي الثلاثين | babelmed أماإن عرفات في غنى عن التعريف أمام الفلسطينيين، كما م الكثير من الناس في العالم. قد يسألك مثلاً نادل في مطعم بنغلاديشي ما "من أين أنت؟" وحين تجيبه "من فلسطين"، يسألك ليتأكد فقط: "عرفات؟"، وحين استأجرت بيتي هذا الذي أقطن فيه حالياً في ضاحية هاكني، أخبرتني صاحبة البيت في اليوم التالي بأنها تشاجرت مع زوجها في الليلة السابقة بسبب عرفات. الزوج يضع عليه مسئولية اندلاع العنف في الشرق الأوسط، بينما هي تحب هذا الرجل. تحبه.
وذات صباح، حين رحت أتصفح كعادتي الأخبار من مواقعها الإلكترونية، قرأت بأن عرفات يشعر بوعكة صحية. ذهبت إلى جامعتي حيث بدأت أدرس حديثاً، ولحظة رأتني إحدى زميلاتي في مقاعد الدراسة، وهي من البوسنة، أسرعت بالإفصاح لي عن مدى تألمها وإحساسها بالمهانة لحظة رأت على شاشة التلفزيون كيف يدفع أحدهم إلى الأسفل، ولو برفق، رأس عرفات حتى يتمكن هذا من دخول الطائرة التي أقلته إلى بيرسي؛ كما لو أنها إهانة لفلسطين ولشعبها. وأنا أوشكت أن أعتذر لها بدوري من أحشاء قلبي، بأنني لا أعرف شيئاً تقريباً عن الحرب الأهلية التي اندلعت قبل أعوام في بلدها. لاحقاً خلال النهار عرفت أن بعض الأصدقاء الفلسطينيين المتواجدين في لندن يتأهبون للذهاب إلى فرنسا للاعتصام أمام المستشفى الذي يأويه، كما أن صديق آخر ممن قابلوه مؤخراً تحول إلى خبير "عرفات" في ألمانيا، وصديقة عزيزة في فلسطين، تبكي عليه يومياً. في حين أنا رحت في كل صباح أفتح مواقع الأخبار على اختلافها، أغمض عيناً أفتح أخرى، محولة بصري بشكل تدريجي إلى الشاشة.. رويداً رويداً.. أتوفيَ؟
لكن ما دخلي أنا؟ أنا مجرد فتاة فلسطينية منذ أشهر فقط طبقت عامي الثلاثين، أحب القراءة والكتابة والسباحة وركوب الخيل وتحرير فلسطين والمشي بين أحضان الطبيعة والعدل وعدم تنظيف البيت وأشياء أخرى كثيرة لا تخطر ببالي الآن.
لكن ها هم الإسرائيليين مرة أخرى. يا الله... بحق اهتاجوا. نعم أنا لست بتلك الدرجة السيئة من الهبل حتى أنتظر العكس، ولكن.. يا الللللللللهه! فوجدتني أعود في قناة الزمن إلى ما قبل عشرين عاما، حين كنت أقضي فترة الابتدائي من بين مراحل دراستي شبه الأزلية، وتذكرت إحدى القصص التي أخبرنا بها معلم التاريخ؛ قصة قد تكون مجرد اختلاق منه، لكنها مع ذلك هي من الأشياء القليلة التي ما زلت أحتفظ بها في دماغي بعد كل تلك السنين المضنية من التعليم. كما أنها بسيطة وساذجة، وربما من الساذج أن أتذكرها الآن، خاصة وأن لا وجهاً للشبه، أو حتى للمقارنة، بين ظروفها والوضع الراهن، لكن مع ذلك، أخبرنا أستاذ التاريخ بأنه خلال المعارك الدائرة على أرض فلسطين بين الصليبيين والعرب، أصيب ريتشارد قلب الأسد بالحمى، فبعث إليه صلاح الدين الأيوبي لحظة درى بالخبر، بكأس ماء باردة. ثم حين قتلت فرس صلاح الدين في إحدى المعارك الطاحنة، بعث له ريتشارد بفرس. بيضاء على الأغلب موت عرفات في خريف عامي الثلاثين | babelmed مات عرفات إذاً. وأسرع وزير العدل الإسرائيلي وكذلك شمعون بيرس، بالأعراب عن ارتياحهما بل وترحيبهما بموت الأخير، في حين تطلع العديد من السياسيين المهيمنين في العالم إلى بداية مستقبل مزهر وزاخر بالسلام والأمن في الشرق الأوسط. وأخيراً... وأولاً عبر أجراء انتخابات فلسطينية.
ولِمَ لا؟ لماذا لا يجرب الواحد؟ ماذا سيخسر الأمريكي أو الإيطالي أو الإنجليزي أو حتى الإسرائيلي مثلاً إذا جرت انتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي عليها؟
تتساءل، بينما لا تزال جالساً أمام شاشة الحاسوب الذي يدوي محركه في أعماق مخك، منهمكاً في مراقبة العتمة وهي تغلف بثقة وبتأنٍ الأمل الهزيل الذي كان قد بقي عندك في عامك الثلاثين، شاعراً بألم كالفأر. حتى أنك لم تُمنح الوقت الكافي لتحزن على عرفات، كنت تحبه، أم لا تحبه.
عدنية شبلي

mots-clés: